فهاتان الروايتان مختلفتان زمانا ومكانا فالخبر الأول يدل على أنها نزلت بالمدينة لأن اليهود هم الذين سألوا النبي صلى اللّه عليه وسلّم ولا يوجد في مكة يهود - ونسأل اللّه ألا يصلوا إليها ما دامت السماوات والأرض - والخبر الثاني أنها نزلت بمكة لأن السائلين من قريش . والخبر الأول أرجح من وجهين ، الأول هو أن البخاري أخرجه في صحيحه الذي هو باتفاق العلماء أصح وأصدق كتاب على وجه المعمورة بعد القرآن الكريم ، والثاني أن رواية ابن مسعود رضى اللّه عنه تفيد أنه كان مشاهدا القصة « كنت أمشي مع النبي وهو يتوكأ على عسيب » وهذا يفيد المشاهدة بخلاف رواية ابن عباس رضى اللّه عنهما .
ومما لا شك فيه أن للمشاهدة قوة الاستيثاق بما لا تتوفر لغير المشاهد ، ومع أن العلماء لم يضعّفوا سند ابن عباس بل قالوا بصحته إلا أن هناك بعض القرائن كقرينة المشاهدة عند ابن مسعود ، وكذلك كون سورة الإسراء التي منها الآية الكريمة المذكورة سورة مكية .
كل هذا يجعلنا نرجح الرواية الأولى ونعمل بها ونهمل الرواية الثانية .
الصورة الثالثة : ما تساوت فيه الروايتان من الصحة ولا مرجح لأحدهما ، ويمكن الجمع بينهما ، بأن كلا من السببين قد حصل ، ونزلت الآية عقب حصول السببين لتقارب زمانهما « 1 » . وحكم هذه الصورة ان نحمل الأمر على تعدد السبب لأنه الظاهر ، ولا يمنع مانع من تعدد السبب ، ومثاله ما أخرجه البخاري « 2 » عن
هامش
( 1 ) - الاتقان 1 / 94 - مناهل العرفان 1 / 11 .
( 2 ) - البخاري كتاب التفسير 8 / 499 رقم 4747 .