المبحث الخامس - معرفة الأسباب الموهمة للاختلاف :
إن معرفة الأسباب الموهمة للاختلاف من الأهمية بمكان في علوم تفسير القرآن ، فهذه الأسباب وهي موهمة كما هو واضح من العنوان ، ونتيجة لهذا الوهم قد يقع الخطأ ، ولذلك فإن معرفة الأسباب الموهمة للاختلاف تعدّ من أهم ضوابط التفسير العقلي الصحيح الخالي من أي زيغ أو انحراف ، ويقول الإمام الزركشي للاختلاف أسباب « 1 » .
السبب الأول : وقوع المخبّر به على أحوال مختلفة وتطويرات شتى ، كقوله تعالى في خلق آدم عليه السلام : إنه
مِنْ تُرابٍ
[ الحج : 5 ] ومرة
مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ
[ الحجر : 26 ] ومرة
مِنْ طِينٍ لازِبٍ
[ الصافات : 11 ] ومرة
مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ
[ الرحمن : 14 ] فهذه الألفاظ مختلفة ومعانيها مختلفة كذلك .
فالصلصال غير الحمأ ، والحمأ غير التراب ، إلّا أن مرجعها كلها إلى جوهر واحد وهو التراب ، ومن التراب تدرجت وتطورت هذه الأحوال ومثل ذلك أيضا قول اللّه تعالى في حية موسى :
هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ
[ الشعراء : 32 ] وفي موضع آخر قال تعالى :
تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ
[ القصص : 31 ] ويبدو الاختلاف ظاهرا ، إنما الحقيقة بعكس ذلك إذ لا اختلاف بين الثعبان والجان ، فالجان هو الصغير من الحيات والثعبان هو الكبير منها ، وإن خلقها كخلق الثعبان الكبير واهتزازاتها وحركاتها وخفتها كاهتزاز الجان وخفتها « 2 » .
هامش
( 1 ) - انظر البرهان 2 / 54 وما بعدها .
( 2 ) - الاتقان ج 3 / 84 البرهان 2 / 54 .