« التصوير الفني في القرآن » . تناولت فيه عدة صور فأثبتّها ؛ وكشفت عما فيها من جمال فني ، وبيّنت القدرة القادرة التي تصوّر بالألفاظ المجردة ، ما تعجز عن تصويره الريشة الملوّنة ، والعدسة المشخصة . وقلت : إن هذا البحث يصلح أن يكون موضوعا لرسالة جامعية .
* * * ومرت السنوات ، وصور القرآن تخايل لي ؛ وتتراءى فيها آثار الإعجاز الفني . وكلما عدت إليها قوي في نفسي أن أتولى البحث الذي تركته فلم يحاوله أحد ، وأن أكمله وأتوسع فيه . وظللت أعكف على القرآن بين الحين والحين ، أتملى صورة الفريدة ، فتزداد فكرة البحث في نفسي رسوخا ؛ لم تشغلني عنه الشواغل ، فيرتد أمنية في الضمير ، ورغبة في الشعور .
إلى أن شاء اللّه أن أتوفر عليه في هذا العام .
* * * لقد بدأت البحث ومرجعي الأول فيه هو المصحف ، لأجمع الصور الفنية في القرآن ، وأستعرضها ، وأبين طريقة التصوير فيها ، والتناسق الفني في إخراجها - إذ كان همي كله موجها إلى الجانب الفني الخالص ، دون التعرض للمباحث اللغوية أو الكلامية أو الفقهية أو سواها من مباحث القرآن المطروقة .
ولكن ما ذا أرى ؟
إن حقيقة جديدة تبرز لي . أن الصور في القرآن ليست جزءا منه يختلف عن سائره . إن التصوير هو قاعدة التعبير في هذا الكتاب الجميل . القاعدة الأساسية المتبعة في جميع الأغراض - فيما عدا غرض التشريع بطبيعة الحال - فليس البحث إذن عن صور تجمع وترتّب . ولكن عن قاعدة تكشف وتبرز .
ذلك توفيق . لم أكن أتطلع إليه ، حتى التقيت به !
وعلى هذا الأساس قام البحث ؛ وكل ما فيه إنما هو عرض لهذه
التصوير الفني في القرآن — صفحة 9
مساهمون: سيد قطب
ص٩