فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ . وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها ؛ وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ . فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ : إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ ، أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ
.
لم أكن أدرك من معاني هذه الآية شيئا ولا من مراميها . ولكن صورة كانت تشخص في مخيلتي . صورة رجل ، فاغر الفم ، متدلي اللسان ، يلهث ويلهث في غير انقطاع . وأنا بإزائه ، لا أحول نظري عنه ، ولا أفهم لم يلهث ، ولا أجرؤ على الدنوّ منه !
وصور من هذه شتى ، كانت ترتسم لخيالي الصغير ، وكنت ألتذ التأمل فيها ، وأشتاق قراءة القرآن من أجلها ، وأبحث عنها - كلما قرأت - في ثناياه .
* * * تلك أيام . . . ولقد مضت بذكرياتها الحلوة ، وبخيالاتها الساذجة .
ثم تلتها أيام ؛ ودخلت المعاهد العلمية ؛ فقرأت تفسير القرآن في كتب التفسير ، وسمعت تفسيره من الأساتذة . ولكنني لم أجد فيما أقرأ أو أسمع ذلك القرآن اللذيذ الجميل ، الذي كنت أجده في الطفولة والصبا .
وا أسفاه ! لقد طمست كلّ معالم الجمال فيه ؛ وخلا من اللذة والتشويق .
ترى هما قرآنان ؟ قرآن الطفولة العذب الميسّر المشوّق ؛ وقرآن الشباب العسر المعقد الممزّق ؟ أم إنها جناية الطريقة المتبعة في التفسير ؟ .
وعدت إلى القرآن أقرؤه في المصحف لا في كتب التفسير . وعدت أجد قرآني الجميل الحبيب ؛ وأجد صوري المشوّقة اللذيذة . إنها ليست في سذاجتها التي كانت هناك . لقد تغيّر فهمي لها ، فعدت الآن أجد مراميها وأغراضها ، وأعرف أنها مثل يضرب ، لا حادث يقع .
ولكن سحرها ما يزال . وجاذبيتها ما تزال .
الحمد للّه . لقد وجدت القرآن !
* * * وخطر لي أن أعرض للناس بعض النماذج مما أجده في القرآن من صور ؛ ففعلت ، ونشرت بحثا في مجلّة المقتطف عام 1939 تحت عنوان :