والواقع أن الناس كما هم متعبدون بفهم معاني القرآن الكريم وإقامة حدوده فهم متعبدون أيضا بتصحيح ألفاظه ، وتجويد حروفه على الصفة المتلقاة من أئمة القراءة المتصل سندهم بالنبي صلى اللّه عليه وسلم .
وهذه الصفة لا يمكن أن تؤخذ من المصحف ولا من الكتب ، وإنما تؤخذ بالتلقي عن العلماء المتخصصين في ذلك ؛ لأن هناك بعض الأحكام التي لا يمكن إتقانها إلا بالتلقي والمشافهة مثل : الروم والإشمام والتسهيل . . . وغير ذلك من الأحكام الدقيقة .
ومعرفة أحكام التجويد لها فضل كبير في مساعدة قارئ القرآن الكريم على عدم الإخلال بمباني الكلمات القرآنية ومعانيها . وبلوغ نهاية الإتقان هو رياضة اللسان على الأداء باللفظ الصحيح المتلقّى عن فم المحسن المجيد للقراءة .
أما دليله من الإجماع : فقد أجمعت الأمة الإسلامية على وجوب تلاوة القرآن الكريم بالتجويد من زمن النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى زماننا هذا ، ولم يختلف فيه منهم أحد ، فلا يجوز لأي قارئ أن يقرأ القرآن بغير تجويد ، وإلا كان من الذين شملهم الوعيد الشديد في قوله - تعالى - :
وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً
« 1 » .
وإلى ضرورة العمل بالتجويد يشير الإمام المحقق ابن الجزري بقوله :
والأخذ بالتجويد حتم لازم * من لم يجود القرآن آثم
لأنه به الإله أنزلا * وهكذا منه إلينا وصلا
وهو أيضا حلية التلاوة * وزينة الأداء والقراءة
فقد جعله واجبا شرعيا يأثم الإنسان بتركه وبه قال أكثر العلماء والفقهاء ، ذلك لأن القرآن نزل مجودا وقرأه الرسول صلى اللّه عليه وسلم على جبريل كذلك ،
هامش
( 1 ) سورة النساء ( 115 ) .