الحرج ؛ فأمر ببلوغ الوسع ، وأن ما وراءه معفوّ عنه » « 1 » وفي باب الطهارة في قوله عز وجل :
ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ
[ المائدة : 6 ] قال : « حتى لا يرخص لكم في التيمم ولكن يريد ليطهركم بالتراب إذا أعوزكم التطهّر بالماء » « 2 » والنفقة عند الآية :
لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها
[ الطلاق : 4 ] بأن ينفق « كل واحد من الموسر والمعسر ما بلغه وسعه » « 3 » .
ويمكن أن نشير إلى ما لخّصه ابن المرتضى ( ت 840 ه ) في الاحتجاج بهذه الآيات ونحوها أنها شاهدة على اعتبار ما يسمى حجة في عرف العقلاء وامتناع نقيضها على الله تعالى ، وأنه معروف بالضرورة من الكتب السماوية ، ورسالات الرسل التي نص فيها الدين على ما يتطلبه ذلك مما لا يحصى كثرة من سعة رحمة الله وعدله وفضله العظيم وحكمته وشمول نعمته ، إذ سمح الله عز وجل من الوسع الممكّن ما لا يحصى « 4 » .
والمفهوم من هذا كله أن معنى التكليف مرتبط بمقدرات الإنسان إذ لا يكلف إلا بما هو قادر عليه ومتمكن منه من إيمان وكفر وطاعة وعصيان . ونفهم من عمق تعلق التكليف بالقدرة الإنسانية أن المعتزلة أرادوا أن نسبة الخلق والصنع في الفعل الإنساني إلى فاعله إنما يكون بحسب قدرته واستطاعته « 5 » ، وإلا فإن التكليف يصبح غير مطاق وبالتالي يتعارض مع العدل الإلهي . وقد رأى إمام الحرمين من أهل السنة كثرة صور ما لا يطاق وذلك مثل جمع الضدين كأن يجوز تكليف العبد القيام مع كونه قاعدا وقت أمره ، ورغم أن القاعد عندهم غير قادر على القيام بالدليل إلا أنه إذا جاز أن يكون القيام مأمورا به قبل أن يقدر عليه رغم أن ذلك
هامش
( 1 ) م ن ، ج 2 ، ص 61 .
( 2 ) م ن ، ج 1 ، ص 598 .
( 3 ) م ن ، ج 4 ، ص 122 - 123 .
( 4 ) انظر إيثار الحق على الخلق في ردّ الخلافات إلى المذهب الحق من أصول التوحيد ، ص 325 .
( 5 ) أجمع المعتزلة بأن الاستطاعة قدرة على الفعل وعلى ضده وهذه القدرة تكون قبل الفعل ، ولا تكون موجبة له . وهم أجمعوا أيضا أن الله لا يكلف الإنسان ما لا يطيق : انظر الأشعري ، مقالات الإسلاميين ، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ، ج 1 ، ص 300 .