التفسير يبدو نزوعه إلى الفكر الاعتزالي ، وذلك لقوله فيه : القادر ؛ إذ يثبت المعتزلة القادرية لله تعالى وينفون القدرة ولأنه شبّه فعل الله عز وجل بفعل العبد . وأهل السنة يرون تحريك الإصبع ليس إلا بقدرة الله سبحانه وأن ما ينسب للعبد من قدرة لا تأثير له في خلق أي شيء « 1 » .
ومن تفسيره الذي يثبت فيه دور العقل قوله في الآية :
رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ
[ إبراهيم : 41 ] « فإن قلت : كيف جاز له أن يستغفر لأبويه وكانا كافرين ؟ قلت : هو من مجوّزات العقل لا يعلم امتناع جوازه إلا بالتوقيف » « 2 » . ورأى أبو حيان أنه يوافق بهذا أهل السنة ويخالف مذهبه « 3 » . وقوله في الآية :
فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ
[ إبراهيم : 47 ] : « يعني قوله :
إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا
[ غافر : 51 ]
كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي
[ المجادلة : 21 ] فإن قلت : هلا قيل مخلف رسله وعده ولم قدم المفعول الثاني على الأول ؟ قلت :
قدم الوعد ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلا كقوله :
إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ
[ آل عمران : 9 ] ثم قال ( رسله ) ، ليؤذن أنه إذا لم يخلف وعده أحدا وليس من شأنه إخلاف المواعيد كيف يخلفه رسله الذين هم خيرته وصفوته ؟ » « 4 » ونفهم من هذا الجواب بأنه على طريق المعتزلة في أن وعده لا محالة واقع ؛ فهم يرون أن من وعده الله سبحانه بالنار من العصاة فلا يحق أن يغفر له إذا لم يتب . وأهل السنة يخالفونهم لأنهم يرون الثواب فضلا وعد به ، والله تعالى يفي به من غير وجوب لأن الخلف نقص ، تعالى الله عنه . أما العقاب فعدل ، له أن يتصرف فيه ، وهو مشروط إنفاذه بالمشيئة ؛ فما وعد من العذاب للعصاة المؤمنين يمكن أن يعفو عنه لأنه فضل ، ولأن الخلف في الوعيد لا يعد نقصا عند العقلاء ؛ فالثواب فضل من الله وليس حقا محتوما وكذا العقاب لا يجب أيضا « 5 » .
هامش
( 1 ) انظر أبو حيان الأندلسي ، البحر المحيط في التفسير ، ج 6 ، ص 424 .
( 2 ) الكشاف ، ج 2 ، ص 382 .
( 3 ) انظر البحر المحيط في التفسير ، ج 6 ، ص 450 .
( 4 ) الكشاف ، ج 2 ، ص 384 - 409 .
( 5 ) انظر إمام الحرمين ، كتاب الإرشاد ، ص ، 152 وكذا أبو حيان الأندلسي ، البحر المحيط في التفسير ، ج 6 ، ص ، 456 وكذا الإيجي ، المواقف في علم الكلام ، مكتبة المتنبي ، القاهرة ، ص 378 .