وللعقل دور كبير في تفسير المصنف ؛ فهو من أدوات خدمة أصول مذهبه ، ويظهر ذلك في تفسير الآية :
وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ
[ النحل : 36 ] « قال :
ولقد أمد إبطال قدر السوء ومشيئة الشر بأنه ما من أمة إلا ، وقد بعث فيهم رسولا يأمر بالخير الذي هو الإيمان ، وعبادة الله ، وباجتناب الشر الذي هو طاعة الطاغوت ، فمنهم من هدى الله أي لطف به لأنه عرفه من أهل اللطف
وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ
أي ثبت عليه الخذلان والشرك من اللطف لأنه عرفه مصمما على الكفر ، لا يأتي منه خير
فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا
ما فعلت بالمكذّبين حتى لا يبقى لكم شبهة في أنّي لا أقدر الشر ولا أشاؤه حيث أفعل ما أفعل بالأشرار » « 1 » .
ومما أثبت فيه دور العقل لينتصر فيه للاعتزال مبينا بأنه يستحيل أن يكلف الله تعالى الإنسان ما لا يطيق لأنه ظلم وجور قوله عند الآية :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ
[ النحل : 90 ] : « العدل هو الواجب لأن الله تعالى عدل فيه على عباده فجعل ما فرضه عليهم تحت طاقتهم » « 2 » ، ومما استدل به وفق هذا المنهج إقرارا لعدل الله ، وبأنه لا يكلف العبد إلا في نطاق وسعه وما يتيسر له ما قاله عند الآية :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
[ البقرة : 286 ] : « أي لا يكلفها إلا ما يتسع فيه طوقه ويتيسر له دون مدى الطاقة والمجهود ، وهذا إخبار عن عدله ورحمته كقوله تعالى :
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ
[ البقرة : 185 ] لأنه كان في إمكان الإنسان وطاقته أن يصلي أكثر من الخمس ، ويصوم أكثر من الشهر ، ويحج أكثر من حجة » « 3 » . وجاء من هذا المعنى عند الآية :
وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
[ الأنعام : 152 ] « إلا ما يسعها ولا تعجز عنه ، وإنما أتبع الأمر بإيفاء الكيل والميزان ذلك لأن مراعاة الحد من القسط الذي لا زيادة فيه ولا نقصان مما يجري فيه
هامش
( 1 ) الكشاف ، ج 2 ، ص 409 .
( 2 ) م ن ، ج 2 ، ص 424 .
( 3 ) الكشاف ، ج 1 ، ص 408 .