الوارد على جهة الحقيقة قولنا : « رأيته بعيني » ، و « قبضته بيدي » ، و « وطئته بقدمى » ، و « ذفته بلساني » ومنه قوله تعالى :
« ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ »
« 85 » وقوله تعالى :
« إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ »
« 86 » وهذه الطريقة تأتى في كل شئ يعظم مناله ويعز الوصول اليه ، وأنه يؤتى بذكر هذه الأدوات على جهة الاطناب دلالة على نيله وأن حصوله غير متعذر . وقد جاءت هذه الآيات على هذا الأسلوب لأنها رد وانكار لما كان من المنافقين في شأن الافك ، ولما كان من بعضهم في جعل الزوجات أمهات ، وفي جعل الأدعياء أبناء ، وهذه أمور عظام ، فأعظم اللّه فيها الرد ، والانكار ، ويذكر من ذلك قوله تعالى :
« ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ »
« 87 » ومعلوم أن القلب لا يكون الا في الجوف ، والغرض المبالغة في الانكار بأن يكون للانسان قلبان ، ومنه قوله تعالى :
« فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ »
« 88 » وهذه الآيات مذكورة بتحليلها الذي ذكره ابن الأثير في كتاب المثل السائر ، وقد أشرت إلى أن ابن الأثير أفادها من الكشاف وان كان الزمخشري يلحظ في بعض هذه القيود ملحظا آخر دقيقا زائدا على ما ذكروه ، فقد ذكر أن المراد بقوله تعالى :
« وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ »
أن هذا القول لا يتجاوز الأفواه وليس ترجمة عما في القلوب وشاهد هذا المعنى قوله تعالى :
« يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ »
« 89 » ، وكان بيانه لقيمة القيد في قوله تعالى :
« فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ »
، وفي قوله تعالى :
« ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ »
أوضح وأجلى « 90 » .
ومثال ما جاء من الاطناب في الجملة على جهة المجاز قوله
هامش
( 85 ) الأحزاب : 4
( 86 ) النور : 15
( 87 ) الأحزاب : 4
( 88 ) النحل : 26
( 89 ) آل عمران : 167
( 90 ) ينظر الطراز ج 2 ص 235 ، 236 ، والمثل السائر ج 2 ص 359 ، 360 ، 361 ، والكشاف ج 3 ص 412 ، 173