والترشيح في الاستعارة المركبة يضيف إلى صورتها إضافات تكتمل بها الصورة ويزداد تأثيرها في توضيح المعنى وتقويته .
يقول الزمخشري في قوله تعالى :
« أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ »
« 97 » : « فان قلت : فما معنى قوله
« فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ »
؟ قلت : لما جعل الجرف الهائر مجازا عن الباطل قيل :
« فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ »
على معنى فطاح به الباطل في نار جهنم ، الا أنه رشح المجاز ، فجىء بلفظ الانهيار الذي هو للجرف ، وليصور أن المبطل كأنه أسس بنيانه على شفا جرف من أودية جهنم فانهار به ذلك الجرف فهو في قعرها . . ولا ترى أبلغ من هذا الكلام ، ولا أدل على حقيقة الباطل وكنه أمره » « 98 » .
والترشيح عنده لا يكون استعارة ، فإذا أجريت فيه الاستعارة ، أخرجته من أن يكون ترشيحا ، وهذا كلام مصيب ، لأن المبالغة في الترشيح لا تكون الا باعتبار حقيقته ، التي تخيل الينا أن هناك اشتراء على الحقيقة ، وأن هناك تأسيس بناء كما مر في المثالين السابقين .
يقول الزمخشري في قوله تعالى :
« وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا »
« 99 » : « يجوز أن يكون الحبل استعارة للعهد ، والاعتصام استعارة للوثوق بالعهد ، أو هو ترشيح لاستعارة الحبل لما يناسبه » « 100 » .
وحين أراد أن يبين طريقة التجريد ذكر الطريقين معا ، وذكر ضرورة فهمهما ، حتى لا ننكر ما يجيء عليهما من كلام العرب . يقول في قوله تعالى :
« فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ »
« 101 » : « فان قلت : الإذاقة واللباس استعارتان فما وجه صحتهما ؟ والإذاقة المستعارة
هامش
( 97 ) التوبة : 109
( 98 ) الكشاف ج 2 ص 244
( 99 ) آل عمران : 103
( 100 ) الكشاف ج 1 ص 302
( 101 ) النحل : 112