« ليس المراد بسؤال الرسل حقيقة السؤال لا حالته ، ولكنه مجاز عن النظر في أديانهم ، والفحص عن مللهم ، هل جاءت عبادة الأوثان قط في ملة من ملل الأنبياء ، والسؤال الواقع مجازا عن النظر حيث لا يصح السؤال على الحقيقة كثير ، منه مساءلة الشعراء الديار ، والرسوم والأطلال ، وقول من قال : سل الأرض من شق أنهارك ، وغرس أشجارك ، وجنى ثمارك ، فإنها ان لم تجبك حوارا ، أجابتك اعتبارا » « 79 » .
ويقول في قوله تعالى :
« وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً »
« 80 » :
« استعير الانبات للانشاء كما يقال : زرعك اللّه للخير » « 81 » .
وأشار إلى الاستعارة في الحرف ، وكان من أوائل من أبرزوا في دراستهم هذا الفن ، يقول في قوله تعالى :
« فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً »
« 82 » : « اللام في « ليكون » هي لام « كي » التي معناها التعليل ، كقولك : جئتك لتكرمنى سواء بسواء ، ولكن معنى التعليل فيها وارد على طريق المجاز ، دون الحقيقة ، لأنهم لم يكن داعيهم إلى الالتقاط أن يكون لهم عدوا وحزنا ، ولكن المحبة والتبني ، غير أن ذلك لما كان نتيجة التقاطهم له وثمرته شبه بالداعي الذي يفعل الفعل لأجله ، وهو الاكرام الذي هو نتيجة المجيء ، والتأدب الذي هو ثمرة الضرب في قولك : ضربته ليتأدب ، وتحريره أن هذه اللام حكمها حكم الأسد ، حيث استعيرت لما يشبه التعليل ، كما يستعار الأسد لما يشبه الأسد « 83 » .
واجراء التشبيه في العداوة والحزن ، والمحبة والتبني ، يشعرنا بأن الاستعارة والتشبيه السابق عليها يجريان في مدخول الحرف ، الا أن قوله : وتحريره أن هذه اللام حكمها حكم الأسد . . الخ ، لم يترك مجالا للاجتهاد ، وانما هو نص صريح على أن موطن التجوّز هو الحرف
هامش
( 79 ) الكشاف ج 4 ص 495
( 80 ) نوح : 17
( 81 ) الكشاف ج 4 ص 201
( 82 ) القصص : 8
( 83 ) الكشاف ج 3 ص 309