وقد يجيء المشبه في التشبيه مطويا ذكره على سنن الاستعارة ، كقوله تعالى :
« وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ . . . »
« 51 » ،
و
« ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ »
« 52 » .
وقد وضع سعد الدين في شرحه لهذه العبارة قاعدة مهمة ، تعين على التفرقة بين التشبيه والاستعارة ، وبين أن مصداق الفرق : أن اسم المشبه به في الاستعارة مستعمل في المشبه ، مراد به ذلك ، بحيث لو أقيم مقامه اسم المشبه استقام الكلام ، وفي التشبيه يكون مستعملا في معناه الحقيقي ، مرادا به ذلك ، فلو قلنا في آية المنافقين : « مثلهم كمثل ذي دين حق » ، تتعلق به مشبهات وفيه وعد ووعيد لم يكن له معنى ، وكذا لو قلنا في آية :
« وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ »
: وما يستوى المؤمن والكافر ، لأن قوله :
« هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ »
إلى قوله :
« وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ »
« 53 » دليل على أن المراد بهما المعنى الحقيقي فيكون الكلام تشبيها أي لا يستوى الاسلام والكفر ، اللذان هما كالبحرين الموصوفين ، وكذا قوله تعالى :
« ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا »
الآية ، معناها جعل اللّه عبدا يملكه شركاء متشاكسون مثلا لعابد الأصنام ، وجعل عبدا سالما لواحد مثلا للّه وحده ، فذكر المشبه مطوى ، والمشبه به مستعمل في معناه الحقيقي ، ثم قال سعد الدين : « ولخفاء ذلك ذهب كثير من الناس إلى أن الآيتين من قبيل الاستعارة وأن صاحب الكشاف أوردهما مثالين للاستعارة ، ولا يخفى ضعفه على من تأمل لفظ الكشاف » « 54 » .
ومع هذه التفرقة الدقيقة ، والتنبه اليقظ ، للفرق بين الأسلوبين ،
هامش
( 51 ) فاطر : 12
( 52 ) الكشاف ج 1 ص 61 - والآية من سورة الزمر : 29
( 53 ) فاطر : 12
( 54 ) تنظر حاشية سعد الدين على الكشاف ( مخطوطة ) ورقة 46 وتنظر حاشية أخرى على الكشاف ( مخطوطة ) ورقة 137 لم يعلم مؤلفها وينظر المطول ص 360