تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية — صفحة 466

مساهمون:

ص٤٦٦
وأن هذا البحث أيضا هو أكبر وظائف النقد الأدبي ، على أن بعض الدارسين يحصر مهمة النقد في هذه الوظيفة إذ جعل الواجب الرئيسي للناقد هو العرض « 140 » . والزمخشري في تفسيره للنصوص يستصحب مقاييس عرفتها الدراسة البلاغية قبله ، من ذلك أن أمارات التفوق في الأسلوب أن يكون الكلام متماسكا أشد التماسك مرتبطا قوى ارتباط كأنه بناء متين يشد بعضه بعضا . يقول في قوله تعالى :
« وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ، وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ . وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ ، صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ، إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ . مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ . وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ »
« 141 » يقول الزمخشري :
« صُنْعَ اللَّهِ »
: من المصادر المؤكدة كقوله :
« وَعَدَ اللَّهُ »
و
« صِبْغَةَ اللَّهِ »
الا أن مؤكده محذوف وهو الناصب ل
« يَوْمَ يُنْفَخُ »
، والمعنى ويوم ينفخ في الصور وكان كيت وكيت أثاب اللّه المحسنين وعاقب المجرمين ، ثم قال :
« صُنْعَ اللَّهِ »
يريد الإنابة والمعاقبة وجعل هذا الصنع من جملة الأشياء التي أتقنها وأتى بها على الحكمة والصواب حيث قال :
« صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ »
يعنى أن مقابلة الحسنة بالثواب والسيئة بالعقاب من جملة احكامه للأشياء واتقانه لها واجرائه لها على قضايا الحكمة ، انه عالم بما يفعل العباد وبما يستوجبون عليه فيكافئهم على حسب ذلك ، ثم لخص ذلك بقوله :
« مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ »
إلى آخر الآيتين ، فانظر إلى بلاغة هذا الكلام وحسن نظمه ، وترتيبه ، ومكانة اضماده ، ورصانة تفسيره ، وأخذ بعضه بحجزة بعض ، كأنما أفرغ افراغا واحدا ، ولأمر ما أعجز القوى ، وأخرس الشقاشق ، ونحو هذا المصدر إذا جاء عقيب كلام جاء كالشاهد بصحته ، والمنادى على
هامش
( 140 ) النقد الأدبي للأستاذ المرحوم أحمد أمين ص 380 ( 141 ) النمل : 87 - 90