يقول الزمخشري في قوله تعالى :
« أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ ، وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ »
« 29 » : « فان قلت : لم جاء مع العاطف وما الفرق بينه وبين قوله :
« أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ، أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ »
؟ « 30 » قلت : قد اختلف الخبران هاهنا فلذلك دخل العاطف بخلاف الخبرين ثمة ، فإنهما متفقان ، لأن التسجيل عليهم بالغفلة ، وتشبيههم بالبهائم شئ واحد ، فكانت الجملة الثانية مقررة لمعاني الأولى فهي من العطف بمعزل » « 31 » .
ويبحث التناسب بين أجزاء الجمل المتعاطفة وقد يكون التناسب بالتقابل وقد يكون بعيدا وفيه شئ من الخفاء يقول في قوله تعالى :
« الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ . وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ »
« 32 » :
« فان قلت : أي تناسب بين هاتين الجملتين حتى وسط بينهما العاطف ؟
قلت : ان الشمس والقمر سماويان . والنجم والشجر أرضيان فبين القبيلين تناسب من حيث التقابل ، وأن السماء والأرض لا تزالان تذكران قرينتين ، وان جرى الشمس والقمر بحسبان من جنس الانقياد لأمر اللّه فهو مناسب لسجود الشمس والقمر » « 33 » .
وليس من اللازم أن تتناسب الجملتان خبرا وانشاء فقد يعطف الانشاء على الخبر إذا لم يكن المعتمد بالعطف هي الألفاظ . وانما مضمون الجملة . يقول في قوله تعالى :
« فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ ، أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ . وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ »
« 34 » :
« فان قلت : علام عطف هذا الأمر ولم يسبق أمر ولا نهى يصح عطف عليه ؟
قلت : ليس الذي اعتمد بالعطف هو الأمر حتى يطلب له مشاكل من أمر ونهى يعطف عليه ، انما المعتمد بالعطف هو جملة وصف ثواب المؤمنين
هامش
( 29 ) البقرة : 5
( 30 ) الأعراف : 179
( 31 ) الكشاف ج 1 ص 35
( 32 ) الرحمن : 5 ، 6
( 33 ) الكشاف ج 3 ص 353
( 34 ) البقرة : 24 ، 25