أَنْفُسِهِمْ »
« 18 » : « واللام جواب قسم محذوف ، وهذه الجملة في حسن استئنافها غاية ، وفي أسلوبها قول القائل :
وجارة جسّاس أبانا بنابها * كليبا غلت ناب كليب بواؤها
وفي فحوى هذا الفعل دليل على التعجب من غير لفظ التعجب ، ألا ترى أن المعنى : ما أشد استكبارهم ، وما أكبر عتوهم ، وما أغلى نابا بواؤها كليب » « 19 » .
ثم إن هذا الاستئناف قد يكون تعليلا للكلام السابق وفي هذا التعليل توكيد له وتقرير ، ويكون هذا النوع تارة بإعادة اسم من استؤنف عنه الحديث ، وتارة بإعادة صفته ، يقول في قوله تعالى :
« ألم . ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ ، هُدىً لِلْمُتَّقِينَ . الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ . وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ . أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ »
« 20 » :
« أُولئِكَ عَلى هُدىً »
الجملة في محل الرفع ان كان
« الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ »
مبتدأ ، والا فلا محل له . . ونظم الكلام على الوجهين أنك إذا نويت الابتداء ب
« الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ »
، فقد ذهبت به مذهب الاستئناف ، وذلك أنه لما قيل
« هُدىً لِلْمُتَّقِينَ »
، واختص المتقون بأن الكتاب لهم هدى ، اتجه لسائل أن يسأل فيقول : ما بال المتقين مخصوصين بذلك ؟ ، فوقع قوله
« الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ »
إلى ساقته كأنه جواب لهذا السؤال المقدر ، وجئ بصفة المتقين المنطوية عليهم خصائصهم التي استوجبوا بها من اللّه أن يلطف بهم ، ويفعل بهم ما لا يفعل بمن ليسوا على صفتهم ، أي الذين هؤلاء عقائدهم وأعمالهم أحقاء بأن يهديهم اللّه ويعطيهم الفلاح ، ونظيره قولك : أحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الأنصار ، الذين قارعوا دونه ، وكشفوا الكرب عن وجهه ، أولئك أهل للمحبة . وان جعلته تابعا ل « المتقين » وقع الاستئناف على « أولئك »
هامش
( 18 ) الفرقان : 21
( 19 ) الكشاف ج 3 ص 215 ، 216
( 20 ) البقرة : 1 - 5