الفلاح ، وإذا كان الاجتناب فلاحا كان الارتكاب خيبة ومحقة ، ومنها أنه ذكر ما ينتج منها من الوبال وهو وقوع التعادى والتباغض » « 493 »
ويقول في آية الحث على الحج :
« وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا »
« 494 » :
« وفي هذا الكلام أنواع من التوكيد والتشديد ، منها قوله تعالى :
« وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ »
« 495 » : « يعنى أنه حق واجب في رقاب الناس لا ينفكون عن أدائه والخروج من عهدته ، ومنها أنه ذكر
« النَّاسِ »
ثم أبدل عنه
« مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا »
، وفيه ضربان من التأكيد ، أحدهما أن الابدال تثنية للمراد وتكرير له ، والثاني أن الايضاح بعد الابهام والتفصيل بعد الاجمال ايراد له في صورتين مختلفتين ، ومنها قوله تعالى
« وَمَنْ كَفَرَ »
مكان « ومن لم يحج » تغليظا على تارك الحج ، ومنها ذكر الاستغناء عنه وذلك مما يدل على المقت والسخط والخذلان ، ومنها قوله
« عَنِ الْعالَمِينَ »
وان لم يقل : عنه ، وما فيه من الدلالة على الاستغناء عنه ببرهان ، لأنه إذا استغنى عن العالمين تناوله الاستغناء الكامل ، فكان أدل على عظم السخط الذي وقع عبارة عنه » « 496 »
النظر في المعنى :
ولما كان استخراج ما في الجملة من المعنى هو المقصد الأعلى في الدراسة اللغوية بجميع فروعها ، ولما كانت الدراسة البلاغية بوجه خاص تعنى ببحث أسرار التراكيب أي كشف ما وراء كل خصوصية من معنى ، رأيت أن أعتبر من البحث البلاغي في الكشاف هذا اللون من البحث الخاص بتفسير الجملة وتوضيح مدلولها ، وقصدت هذا التفسير الذي يشير فيه الزمخشري إلى معنى بعيد ، لا يفهم من متن اللفظ ، وانما يدركه الخاصة من ذوى الثقافة العالية .
هامش
( 493 ) الكشاف ج 1 ص 525
( 494 ) آل عمران : 97
( 495 ) آل عمران : 97
( 496 ) الكشاف ج 1 ص 299