يلاوصهم ويداريهم ويسلك معهم طريق الانصاف في القول ويأتيهم من وجهة المناصحة فجاء بما علم أنه أقرب إلى تسليمهم لقوله ، وأدخل في تصديقهم له ، وقبولهم منه ، فقال :
« وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ »
، وهو كلام المنصف في مقاله غير المشتط فيه ، ليسمعوا منه ، ولا يردوا عليه ، وذلك أنه حين فرضه صادقا فقد أثبت أنه صادق في جميع ما يعد ، ولكنه أردفه
« يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ »
ليهضمه بعض حقه في ظاهر الكلام ، فيريهم أنه ليس بكلام من أعطاه حقه وافيا فضلا أن يتعصب له ، أو يرمى بالحصا من ورائه ، وتقديم الكاذب على الصادق أيضا من هذا القبيل ، وكذلك قوله :
« إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ »
« 312 » فان قلت : فعن أبي عبيدة أنه فسر البعض بالكل وأنشد بيت لبيد :
ترّاك أمكنة إذا لم أرضها * أو يرتبط بعض النفوس حمامها « 313 »
قلت : ان صحت الرواية عنه قد حق فيه قول المازني في مسألة العلقى : كان أجفى من أن يفقه ما أقول له » « 314 »
وهذه الطريقة توحى بمقصود المتكلم مما هو مخالف لظاهرة العبارة فيها ، وقد أشار الزمخشري إلى أن الايحاء بمقصود المتكلم أفعل في نفس السامع وان كان معاندا ، وأجلب له وان كان مشتطّا في اعراضه ، يقول في قوله تعالى :
« وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ »
« 315 » : « وهذا من الكلام المنصف الذي كل كل من سمعه من موال أو مناف قال لمن خوطب به : قد أنصفك صاحبك ، وفي درجه بعد تقدمة ما قدم من التقرير البليغ دلالة غير خفية على من هو من الفريقين على الهدى ، ومن هو في الضلال المبين ، ولكن التعريض والتورية أفضى بالمجادل إلى الغرض ، وأهجم به على الغلبة ، مع قلة شغب الخصم ، وفل شوكته بالهوينا ، ونحوه قول الرجل لصاحبه : علم اللّه الصادق منى
هامش
( 312 ) غافر : 28
( 313 ) الكشاف ج 3 ص 561
( 314 ) الكشاف ج 4 ص 137
( 315 ) سبأ : 24