حتى وقع في كلام من لا تخفى عليه خافية » « 160 » والناظر في كتب البلاغيين المتأخرين يجد أثر هذا الكلام واضحا في حديثهم عن « ما » الاستفهامية .
وقد يكون لتبكيت المخاطب كقوله تعالى :
« قالَ أَ كَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ »
« 161 » : « للتبكيت لا غير ذلك أنهم لم يعملوا الا التكذيب فلا يقدرون أن يكذبوا ويقولوا قد صدقنا بها ، وليس الا التصديق بها أو التكذيب . ومثاله أن تقول لراعيك وقد عرفته :
رويعى سوء أتأكل نعمى أم ما ذا تعمل بها ؟ فتجعل « ما » تبدأ به ، وتجعله أصل كلامك ، وأساسه هو الذي صح عندك من أكله وفساده ، وترمى بقولك « أم ما ذا تعمل بها » ؟ مع علمك أنه لا يعمل بها الا الأكل ، لتبهته وتعلمه بأنه لا يجيء منه الا أكلها ، وأنه لا يقدر أن يدعى الحفظ والاصلاح لما شهر من خلاف ذلك ، أو أراد : أما كان لهم عمل في الدنيا الا الكفر والتكذيب بآيات اللّه أم ما ذا كنتم تعملون من غير ذلك ؟ يعنى أنه لم يكن لهم عمل غيره كأنهم لم يخلقوا الا للكفر والمعصية وانما خلقوا للايمان والطاعة » « 162 » .
وقد يفيد التحقيق كما في قوله تعالى :
« أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ »
« 163 » يقول الزمخشري : « ألا : مركبة من همزة الاستفهام وحرف النفي لاعطاء معنى التنبيه على تحقق ما بعدها ، والاستفهام إذا أدخل على النفي أفاد تحقيقا كقوله :
« أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ »
« 164 » ، ولكونها في هذا المنصب من التحقيق لا تكاد تقع الجملة بعدها الا مصدرة بنحو ما يتلقى به القسم ، وأختها التي هي « ما » من مقدمات اليمين وطلائعها » .
هامش
( 160 ) الكشاف ج 4 ص 542 .
( 161 ) النمل : 84
( 162 ) الكشاف ج 3 ص 303
( 163 ) البقرة : 12
( 164 ) القيامة : 40