فالعدوان الأول ظلم والثاني جزاء ، والجزاء لا يكون ظلما ، وان كان لفظه كاللفظ الأول . . . وكذلك قوله :
« نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ »
« 300 »
ويقول في باب الاستعارة : « ومن ذلك قوله :
« صِبْغَةَ اللَّهِ ، وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً »
« 301 » يريد الختان فسماه صبغة لأن النصارى كانوا يصبغون أولادهم في ماء ويقولون : هذا طهر لهم كالختان للحنفاء . فقال اللّه تعالى :
« صِبْغَةَ اللَّهِ »
أي الزموا صبغة اللّه لا صبغة النصارى أولادهم وأرادوا بها ملة إبراهيم عليه السلام » « 302 »
ويكاد بحث المشاكلة تتم صورته الأخيرة وهو لا يزال في أحضان القرنين الثاني والثالث ، ويشير سيبويه إلى تأكيد المدح بما يشبه الذم إشارة تكاد تستوعب ما جاء به المتأخرون في هذا الباب . يقول في باب ما يكون « الا » على معنى « ولكن » :
وقوله عز وجل :
« الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ »
« 303 » : ولكنهم يقولون : ربنا اللّه ، وهذا الضرب في القرآن كثير . . ومثل ذلك من الشعر قول النابغة :
ولا عيب فيم غير أنّ سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائب
أي ولكن سيوفهم بهن فلول .
وقال النابغة الجعدي :
فتى كملت أخلاقه غير أنّه * جواد فما يبقى من المال باقيا
كأنه قال : ولكنه مع ذلك جواد » « 304 »
ويتكلم علي بن عبد العزيز الجرجاني في المطابقة والتجنيس ويكاد
هامش
( 300 ) تأويل مشكل القرآن ص 225 - والآية من سورة التوبة : 67
( 301 ) البقرة : 138
( 302 ) تأويل مشكل القرآن ص 113
( 303 ) الحج : 40
( 304 ) الكتاب لسيبويه ج 1 ص 366 ، 367