والمواطن التي يكثر فيها الحذف فيذكر حذف المضاف وإقامة المضاف اليه مقامه ويمثل له بقوله تعالى :
« وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ »
، وقوله تعالى
« وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ »
، ويشير إلى ايقاع الفعل على شيئين وهو لأحدهما وذلك كقوله سبحانه :
« يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ . بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ »
« 112 » ، ثم قال :
« وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ . وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ . وَحُورٌ عِينٌ »
« 113 » : « والفاكهة واللحم والحور العين ، لا يطاف بها وانما أراد : ويؤتون بلحم طير » ويشير إلى حذف الجواب للاختصار وعلم المخاطب ويمثل له بقوله تعالى :
« وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى ، بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً »
« 114 » أراد : لكان هذا القرآن ، فحذف . . ويذكر حذف الكلمة والكلمتين ويمثل له بقوله تعالى :
« فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ »
« 115 » والمعنى فيقال لهم أكفرتم ، وقوله تعالى :
« وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا »
« 116 » ، والمعنى : يقولون ربنا أبصرنا وسمعنا « 117 » ثم ذكر حذف جواب القسم وحذف « لا » والاضمار لغير المذكور وحذف الصفات ثم ذكر آيات من الكتاب العزيز بين فيها المحذوف .
والملاحظ أن أكثر الأمثلة التي تذكر في باب الحذف تتكرر في الكتب المختلفة والتأثر فيها واضح .
فإذا ما نظرنا إلى صنيع عبد القاهر في هذا الباب وجدنا أنه نفث فيه الروح البلاغية . يقول مشيرا إلى قيمته : هو باب دقيق المسلك ، لطيف المأخذ ، عجيب الأمر ، شبيه بالسحر ، فإنك ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر ، والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة ، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق ، وأتم ما تكون بيانا إذا لم تبن « 118 » . وهذا
هامش
( 112 ) الواقعة : 17 ، 18
( 113 ) الواقعة : 20 - 22
( 114 ) الرعد : 31
( 115 ) آل عمران : 106
( 116 ) السجدة : 12
( 117 ) ينظر تأويل مشكل القرآن ص 169 وما بعدها
( 118 ) دلائل الاعتماد ص 95