تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 311

مساهمون:

ص٣١١
تنطبع فيه ، وضده القلب اللين المتماسك ، وهو السليم من المرض الذي لا يقبل صورة الحق بلينه ، ويحفظه بتماسكه ، بخلاف المريض الذي لا يحفظ ما ينطبع فيه لمعانه ورخاوته كالمائع الذي إذا طبعت فيه الشيء قبل صورته بما فيه من اللين ولكن رخاوته تمنعه من حفظها ، فخير القلوب القلب الصلب الصافي اللين ، فهو يرى الحق بصفائه ويقبله بلينه ، ويحفظه بصلابته . وفي المسند وغيره عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « القلوب آنية اللّه في أرضه ، فأحبها إليه أصلبها وأرقدها وأصفاها » « 1 » . وقد ذكر - سبحانه - أنواع القلوب في قوله :
لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ ( 53 ) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ
[ الحج : 53 - 54 ] . فذكر القلب المريض ، وهو الضعيف المنحل الذي لا تثبت فيه صورة الحق ، والقلب القاسي اليابس الذي لا يقبلها ولا تنطبع فيه ، فهذان القلبان شقيان معذبان . ثم ذكر القلب المخبت المطمئن إليه ، وهو الذي ينتفع بالقرآن ويزكو به . قال الكلبي :
فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ
فترق للقرآن قلوبهم . وقد بين - سبحانه - حقيقة الإخبات ، ووصف المخبتين في قوله :
وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ( 34 ) الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ
( 35 ) [ الحج : 34 - 35 ] . فذكر للمخبتين أربع علامات ؛ وجل قلوبهم عند ذكره - والوجل : خوف مقرون بهيبة ومحبة - وصبرهم على أقداره ، وإتيانهم بالصلاة قائمة الأركان ظاهرا وباطنا ، وإحسانهم إلى عباده بالإنفاق مما آتاهم . وهذا إنما يتأتى للقلب المخبت ، قال ابن عباس : « المخبتين » : المتواضعين ، وقال مجاهد : المطمئنين إلى اللّه ، وقال الأخفش : الخاشعين . وقال ابن جرير : الخاضعين . وقال الزجاج : اشتقاقه من الخبت وهو المنخفض من الأرض ، وكل مخبت متواضع ، فالإخبات سكون الجوارح على وجه التواضع والخشوع للّه . فإن قيل : فإذا كان معناه التواضع والخشوع فكيف عدى بإلى في قوله :
وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ
[ هود : 23 ]
هامش
( 1 ) انظر حلية الأولياء ( 1 / 79 ) ، لم نقف إلا على أوله في أحمد ( 2 / 177 ) .
البدائع في علوم القرآن — صفحة 311 | ابن قيم الجوزية