منسوخ ، وكأن القائل لذلك لم يعلم أن كون النص منسوخا : أن اللّه سبحانه حرم العمل به ، وأبطل كونه من الدين والشرع ودون هذا مفاوز تنقطع فيها الأعناق .
قالوا : وأما قول من قال : المراد بقوله : ( من غيركم ) ، أي : من غير قبيلتكم ، فلا يخفى بطلانه وفساده ، فإنه ليس في أول الآية خطاب لقبيلة دون قبيلة ، بل هو خطاب عام لجميع المؤمنين فلا يكون غير المؤمنين إلا من الكفار ، هذا مما لا شك فيه ، والذي قال من غير قبيلتكم ، زلة عالم غفل عن تدبر الآية « 1 » .
[ 4 ] قال اللّه تعالى في سورة المائدة وهي من آخر القرآن نزولا وليس فيها منسوخ :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ
[ المائدة : 2 ] ، وقال في سورة البقرة :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
[ البقرة : 217 ] ، فهاتان آيتان مدنيتان ، بينهما في النزول نحو ثمانية أعوام ، وليس في كتاب اللّه ولا سنن رسوله ناسخ لحكمهما ، ولا أجمعت الأمة على نسخه ، ومن استدل على نسخه بقوله تعالى :
وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً
[ التوبة : 36 ] ونحوها من العمومات ، فقد استدل على النسخ بما لا يدل عليه ، ومن استدل عليه بأن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « بعث أبا عامر في سرية إلى « 2 » أوطاس في ذي القعدة » ، فقد استدل بغير دليل ، لأن ذلك كان من تمام الغزوة التي بدأ فيها المشركون بالقتال ، ولم يكن ابتداء منه لقتالهم في الشهر الحرام « 3 » .
[ 5 ] عن عبد اللّه - وهو ابن مسعود - قال : من شاء لاعنته ، لأنزلت سورة النساء القصرى بعد الأربعة الأشهر وعشرا « 4 » ، وأخرجه النسائي وابن ماجة « 5 » .
وهذا يدل على أن ابن مسعود يرى نسخ الآية في البقرة بهذه الآية ، التي في الطلاق وهي قوله :
وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ
[ الطلاق : 4 ] ، وهذا على عرف السلف في
هامش
( 1 ) الطرق الحكمية ( 192 - 195 ) . وانظر تتمة الأقوال في الآية في بدائع التفسير ( 2 / 129 ) .
( 2 ) في عام أوطاس ، وهو عام الفتح ، وغزوة أوطاس متصلة بفتح مكة وهو موضع بين مكة والطائف . وقيل هي غزوة حنين ، انظر زاد المعاد ( 3 / 465 ) .
( 3 ) زاد المعاد ( 3 / 341 ) .
( 4 ) أبو داود ( 2307 ) في الطلاق ، باب : في عدة الحامل .
( 5 ) ابن ماجة ( 2030 ) في الطلاق ، باب : الحامل والمتوفى عنها زوجها . . . .