فلضعفه وخوره جعل إصبعيه في أذنيه وغمض عينيه خشية من صاعقة تصيبه .
وقد شاهدنا نحن وغيرنا كثيرا من مخانيث تلاميذ الجهمية والمبتدعة إذا سمعوا شيئا من آيات الصفات وأحاديث الصفات المنافية لبدعتهم رأيتهم عنها معرضين ،
كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ( 50 ) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ
( 51 ) [ المدثر ] .
ويقول مخنثهم : سدوا عنا هذا الباب ، اقرءوا شيئا غير هذا ، وترى قلوبهم مولية ، وهم يجمحون لثقل معرفة الرب - سبحانه وتعالى - وأسمائه وصفاته على عقولهم وقلوبهم .
وكذلك المشركون على اختلاف شركهم إذا جرد لهم التوحيد ، وتليت عليهم النصوص المبطلة لشركهم اشمأزت قلوبهم ، وثقلت عليهم ، ولو وجدوا السبيل إلى سد آذانهم لفعلوا ، ولذلك تجد أعداء أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثقل ذلك عنهم جدا ، وأنكرته قلوبهم ، وهذا كله شبه ظاهر ومثل محقق من إخوانهم من المنافقين في المثل الذي ضربه لهم بالماء ، فإنهم لما تشابهت قلوبهم تشابهت أعمالهم .
مثل المقلّدين
ومنها قوله تعالى :
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ
( 171 ) [ البقرة ] ، فتضمن هذا المثل ناعقا : أي مصوتا بالغنم وغيرها ، ومنعوقا به ، وهو الدواب ، فقيل : الناعق : العابد ، وهو الداعي للصنم ، والصنم هو المنعوق به المدعو ، وإن حال الكافر في دعائه كحال من ينعق بما لا يسمعه .
هذا قول طائفة منهم : عبد الرحمن بن زيد وغيره .
واستشكل صاحب « الكشاف » « 1 » ، وجماعة معه هذا القول ، وقالوا : قوله :
إِلَّا دُعاءً وَنِداءً
لا يساعد عليه ، لأن الأصنام لا تسمع دعاء ، ولا نداء ، وقد أجيب عن هذا الاستشكال بثلاثة أجوبة :
أحدها : أن « إلا » زائدة ، والمعنى بما لا يسمع دعاء ونداء ، قالوا : وقد ذكر ذلك الأصمعي في قول الشاعر :
حراجيج ما تنفك إلا مناخة « 2 »
هامش
( 1 ) الزمخشري في تفسيره ( 1 / 107 ) .
( 2 ) الحراجيج : النوق ، والشعر لذي الرمة في وصف إبل ، وشطره :على الخسف أو نرمي بها بلدا قفرا