اللّه وعهده واعتصامه بحبله ، فإن انقطع به فارق العصمة ، إلّا أن يكون ولي أمرا ، فإنه قد يقتل أو يموت « 1 » .
فصل تدبر الأمثال التي وقعت في القرآن « 2 »
إنّ ما وقع في القرآن من الأمثال التي لا يعقلها إلا العالمون : تشبيه شيء بشيء في حكمه ، وتقريب المعقول من المحسوس ، أو أحد المحسوسين من الآخر ، واعتبار أحدهما بالآخر كقوله تعالى في حق المنافقين :
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ( 17 ) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ( 18 ) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ
[ البقرة : 17 - 19 ] ، إلى قوله :
إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
[ البقرة : 20 ] ، فضرب للمنافقين بحسب حالهم مثلين : مثلا ناريا ، ومثلا مائيا لما في النار والماء من الإضاءة والإشراق والحياة ، فإن النار مادة النور ، والماء مادة الحياة ، وقد جعل اللّه - سبحانه - الوحي الذي أنزله من السماء متضمنا لحياة القلوب واستنارتها ، ولهذا سماه : روحا ونورا وجعل قابلية أحياء في النور ، ومن لم يرفع به رأسا أمواتا في الظلمات .
وأخبر عن حال المنافقين بالنسبة إلى حظهم من الوحي ، وأنهم بمنزلة من استوقد نارا لتضيء له وينتفع بها ، وهذا لأنهم دخلوا في الإسلام فاستضاءوا به وانتفعوا به وآمنوا به ، وخالطوا المسلمين ، ولكن لما لم يكن لصحبتهم مادة من قلوبهم من نور الإسلام طفئ عنهم ، وذهب اللّه بنورهم ولم يقل بنارهم ، فإن النار فيها الإضاءة والإحراق ، وتركهم في ظلمات لا يبصرون فهذا حال من أبصر ، ثم عمي ، وعرف ثم أنكر ، ودخل في الإسلام ، ثم فارقه بقلبه ، فهو لا يرجع له .
ولهذا قال :
فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ
[ البقرة : 18 ] ، ثم ذكر حالهم بالنسبة إلى المثل المائي فشبههم بأصحاب صيّب ، وهو المطر الذي يصوب ، أي : ينزل من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق ، فلضعف بصائرهم وعقولهم ، اشتدت عليهم زواجر القرآن ووعيده وتهديده وأوامره ونواهيه وخطابه الذي يشبه الصواعق ، فحالهم كحال من أصابه مطر فيه ظلمة ورعد وبرق ،
هامش
( 1 ) إعلام الموقعين ( 1 / 250 - 252 ) .
( 2 ) رتبت هذه الأمثلة المباركة وفق ترتيب سور القرآن العظيم .