قال " الحرالّيّ " : المثل ما ينحصل في باطن الإدراك من حقائق الأشياء المحسوسة ، فيكون ألطف من الشيء المحسوس ، فيقع لذلك جاليا لمعنى مثل المعنى المعقول ، ويكون الأظهر منهما مثلا للأخفى ، فلذاك يأتي استجلاء المثل بالمثل ، ليكون فيه تلطيف للظاهر المحسوس ، وتنزيل للغائب المعلوم .
ففي هذه الآية يقع الاستجلاء بين المثلين ، لا بين الممثولين ، لتقارب المثلين معنى وهو وجه الشبه ، وتباعد الممثولين
وفي ذكر هذين المثلين تقابل يفهم مثلين آخرين ، فاقتضى ذلك تمثيلين في مثل واحد ، كأنّ وفاء اللفظ الذي أفهمه هذا الإيجاز :
مثل الذين كفروا ومثل راعيهم ، وكمثل الراعي ومثل ما يرعى من البهائم
وهو من أعلى خطاب فصحاء العرب
ومن لا يصل فهمه إلى جمع المثلين يقتصر على تأويله بمثل واحد فيقدّر في الكلام :
ومثل داعي الذين كفروا ( كمثل الذي ينعق ) أي يصيح
وذلك لأنّ التأويل يحمل على الإضمار والتقدير والفهم يمنع منه ويوجب فهم إيراد القرآن على حدّه ووجهه . . . . .
وقد علم بهذا أنّ الآية من الاحتباك :
حذف من الأوّل مثل الدّاعي لدلالة النّاعق عليه ، ومن الثاني المنعوق به لدلالة المدعوين عليه . . . " « 1 »
تأويل نظم الآية على هذا المنهاج ( الحذف التقابلي ) والذي اعتمد فيه على " الحرالي " هو التأويل الذي ترى أصله في صنيع " سيبويه " في " الكتاب " « 2 »
وهذا التأويل ينظر إلى التمثيل التشبيهي ، وتركبه من عدّة عناصر لا يستوجب المقام ذكرها كلّها بل يستوجب الدلالة على بعضها ببعضها طاويا من كل جانب ما يدلّ عليه المذكور في الجانب الآخر .
ونحن إذ ننظر في المثل الأول : مثل الذين كفروا نرى تمثيلهم بالغنم التي ينعق بها راعيها الشفوق الرؤوف بها السائقها إلى ما فيه نجاتها ،
هامش
( 1 ) - نظم الدرر : ج 2 ص 331 - 335
( 2 ) - الكتاب لسيبويه : ج 1 ص 212 - ت : هارون وانظر معه " إعراب القرآن المنسوب إلى الزجاج - ج : 1 ص : 47 - ت : إبراهيم البياري - دار الكتاب
المصري - 1982