يشير البقاعيّ إلى أنّ البيان القرآنيّ قد ذكر من جانب القتل ما كان إسناده إلى المسلم على جهة المفعولية ( يقتل )
وذكر من جانب الغلب ما كان إسناده إليه على جهة الفاعلية ( يغلب ) لبيان جوهر غاية الإسلام من الجهاد ، فليس همّ المسلم في جهاده قتل الأعداء أو الاستحواز على الغنائم ، بل همّه نصر الإسلام والاستشهاد في سبيل اللّه تعالى .
الانتصار دلّ عليه قوله ( يغلب )
والشهادة دلّ عليها قوله ( يقتل )
وهذا يقتضي من كلّ مجاهد أن يثبت في القتال وإن كان عدوه ذا عدد وعتاد .
وإذا ما كان هذا منهاج المسلم فلن يكون إلا عزّ ومجد ، وفي عزّ أهل الاسلام سلام أهل الدنيا وسلامتهم ، فإنّه ما كان الأمر للمسلمين في عصر أو مصر إلّا كان النّاس في أمن ودعة .
* * * وقد يتلاقى " الاحتباك " والتشبيه التركيبيّ فيكون نسيج التشبيه مبنيّا على الحذف التقابلي .
ومن أشهر الآيات في هذا قول اللّه جلّ جلاله :
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ
( البقرة : 171 )
جاءت هذه الآية في سياق مصور حال طائفة من الناس يتخذون من دون اللّه سبحانه وتعالى أندادا ، ويتبعون خطوات الشيطان ، وإذا أمروا باتباع ما أنزل اللّه عزّ وجلّ قالوا بل نتبع ما ألفوا عليه آباءهم الذين لا يعقلون ولا يهتدون ، فصورهم في صورة تنفر منها كلّ نفس عاقله ، صورهم مع دعاتهم إلى الهدى في صورة راع وغنمه ينعق بها يدفعها عن المهلكة فلا تسمع إلا صوته ولا تعقل ما ينعق به عليها
يقول البقاعيّ :
" ولمّا كان التقدير فمثلهم حينئذ كمن تبع أعمى في طريق وعر خفي في فلوات شاسعة كثيرة الخطر عطف عليه ما يرشد إلى تقديره من قوله عزّ وجلّ - منبها على أنّهم صاروا بهذا كالبهائم بل أضلّ ؛ لأنها وإن كانت لا تعقل ، فهي تسمع وتبصر ، فتهتدي إلى منافعها ( ومثل ) وبيّن الوصف الذي حملهم على هذا الجهل بقوله ( الذين كفروا ) . . . في أنهم لا يسمعون من الدعاء إلا جرس النغمة ودويّ الصوت من غير التقاء أذهان ولا استبصار ( كمثل )