ولا أرى بأسا من الجمع بين الوجهين معا .
ذلك ما تبيّن لي .
وهو وإن تعرض لأسلوب الاحتباك في سورة البقرة في عدة مواضع منها فإنّه لم يبين لنا مفهوم الاحتباك إلا في سورة ( آل عمران ) عند تأويله قول اللّه سبحانه وتعالى :
قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ
( آل عمران : 13 )
فيقول : " الآية كما ترى من وادي الاحتباك وهو : أن يؤتى بكلامين يحذف من كلّ منهما شيء إيجازا يدلّ ما ذكر على ما حذف من الآخر . وبعبارة أخرى : هو أن يحذف من كلّ جملة شيء إيجازا ، ويذكر في الجملة الأخرى ما يدل عليه " « 1 »
والغالب علي منهاج البقاعي أنّه يعنى ببيان ما حذف وما دلّ عليه مذكورا من البيان ، وقد يذكر الوجه البيانيّ لحذف ما حذف وذكر ما ذكر ، وذلك كمثل ما تراه في تأويله النظم التركيبيّ في قول اللّه عزّ وجلّ :
فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً
( النساء : 74 )
يقول : " "
( وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ )
أي فيريد إعلاء كلمة الملك المحيط بصفات الجمال والجلال ( فيقتل ) أي في ذلك الوجه ، وهو على تلك النّية بعد أن يغلب القضاء والقدر على نفسه ( أو يغلب ) أي الكفار فيسلم ( فسوف نؤتيه ) أي بوعد لا خلف فيه . . .
والآية من الاحتباك :
ذكر القتل أولا دليل على السّلامة ثانيا
وذكر الغالبيّة ثانيا دليل على المغلوبيّة أولا
وربّما دلّ التعبير بسوف على طول عمر المجاهد غالبا ، خلافا لما يتوهمه كثير من الناس إعلاما بأنّ المدار على فعل الفاعل المختار ، لا على الأسباب ( أجرا عظيما ) . . . .
واقتصاره على هذين القسمين حثّ على الثبات ، ولو كان العدوّ أكثر من الضعف . . . " « 2 »
هامش
( 1 ) - نظم الدرر : 4 / 262 وانظر معه : التعريفات للسيد الشريف باب الألف ، وطراز الحلة ص 508 ، وشرح عقود الجمان السيوطي ص : 133
( 2 ) - نظم الدرر : ج 5 : 326 - 327