وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً
( النساء : 1 )
بافتتاح سورة " الحج " بقول اللّه تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ
( الحج : 1 )
وكيف أنّ مقصود كلّ سورة هو الذي اقتضى أن يكون وصف الربّ المأمور باتقائه في أول كل سورة بغير ما وصف به في الأخرى ، بل هو ناظر إلى موقع كلّ سورة من السياق القرآني المديد .
يقول في تأويل مطلع سورة " النساء " :
" وقد جعل سبحانه الأمر بالتقوى مطلعا لسورتين :
هذه وهي رابعة النصف الأوّل والحج وهي رابعة النصف الثاني ، وعلّل الأمر بالتقوى في هذه بما دلّ على كمال قدرته وشمول علمه وتمام حكمته من أمر المبدأ .
وعلّل ذلك في الحج بما صوّر المعاد تصويرا لا مزيد عليه ، فدلّ فيها على المبدأ والمعاد تنبيها على أنه محط الحكمة ، ما خلق الوجود إلا من أجله ؛ لتظهر الأسماء الحسنى والصّفات العلى أتمّ ظهور يمكن البشر الاطلاع عليه .
ورتّب ذلك على الترتيب الأحكم ، فقدم سورة المبدأ على سورة المعاد ؛ لتكون الآيات المتلوة طبق الآيات المرئية " « 1 »
* * * وللبقاعي عناية طيبة ببراعة استهلال السور الخمس ب " الحمد للّه " ، وهي سور : الفاتحة والأنعام والكهف وسبأ وفاطر ،
وكيف أنّ مقصود كلّ سورة هو الذي اقتضى أن تستفتح بغير ما تستفتح به الأخرى وإن شاركتها في الابتداء بالحمد للّه .
وهو في هذا معتمد على مقالة ل " السعد التفتازانيّ " في مقدمة كتابه " التلويح على شرح التنقيح " في أصول فقه الحنفية لصدر الشريعة نقلها عنه البقاعيّ في تأويله سورة الفاتحة قائلا :
" وقد أشير في " أم الكتاب - كما قال العلامة سعد الدين مسعود بن عمر التفتازانيّ الشافعيّ - إلى جميع النعم ، فإنّها ترجع إلى إيجاد وإبقاء أولا وإلى إيجاد وإبقاء ثانيا في دار الفناء والبقاء
أمّا الإيجاد الأول فبقوله سبحانه وتعالى
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
( الفاتحة : 2 )
فإنّ الإخراج من العدم إلى الوجود أعظم تربية .
هامش
( 1 ) - نظم الدرر : 5 / 173