تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
من هنا إلى آخرها ، وإلى التأكيد بلفظ الأمر لما تقدم الحثّ عليه من أمر النفقة
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا )
" « 1 » * * * وفي سورة " آل عمران " نجد مطلع السورة من أولها إلى آخر قول اللّه عزّ وجلّ
وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ
( آل عمران : من الآية 4 ) " ففي هذا المطلع عناية بتصوير وتقرير معنى الوحدانية للّه سبحانه وتعالى والإخبار بأنّ رئاسة الدنيا غير مغنية في الدنيا ولا في الآخرة ، وذلك هو المقصود الأعظم من السورة ، وهو كما ترى ظاهر لك من قول اللّه جلّ جلاله في المطلع :
ألم * اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ
( آل عمران : 1 - 2 ) ومن قول اللّه عزّ وجلّ :
. . . إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ
( آل عمران : 4 ) " فهاتان الجملتان تؤدّيان بالمقصود الأعظم للسورة لمن كانت له بصيرة في فقه بيان الذّكر الحكيم عن معانيه . * * * وفي سورة " النساء " تجد مطلع السورة من أولها إلى آخر قوله سبحانه وتعالى :
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً
( النساء : من الآية 1 ) فإن في هذا المطلع ما يصرح بمقصود السورة من نحو قوله جلّ جلاله :
خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ
وقوله سبحانه وتعالى :
الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ
وقوله جلّ جلاله :
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً
فهذه الجمل كالمصرحة بمعنى الاجتماع على أمر عظيم ، وأعظم ما يجتمع عليه هو توحيد اللّه سبحانه وتعالى ، وهو اجتماع يحقق معنى التواصل الرحمي الذي به قيام الوجود الإنساني ، وهذا هو المقصود الأعظم لسورة النساء ، ليبدأ تفصيل البيان عن هذا المقصود بقوله : " وآتوا اليتامى . . . إلخ " « 2 » وأنت ترى السورة قد قام فيها من الأحكام والآداب ما فيه تحقيق البناء المحكم المتراحم المتلاحم للأسرة والأمة ، فتجتمع على ما فيه مرضاة ربها عزّ وجلّ . والبقاعيّ يناظر استفتاح هذه السورة بقول اللّه تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ
هامش
( 1 ) - السابق : 4 / 21 ( 2 ) - نظم الدرر 5 / 176