تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإقتصاد و الإجتماع ( موسوعة ومضات اعجازية ) — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
وهكذا فقد تميز فقهه أنه في العبادات لا يخرج عن الأثر قيد شعرة ، فليس من المعقول عنده أن يعبد أحد ربه بالقياس أو بالرأي وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : " صلوا كما رأيتموني أصلي " ، ويقول في الحج : " خذوا عني مناسككم " . كان الإمام أحمد شديد الورع فيما يتعلق بالعبادات التي يعتبرها حق للّه على عباده وهذا الحق لا يجوز مطلقا أن يتساهل أو يتهاون فيه . أما في المعاملات فيتميز فقهه بالسهولة والمرونة والصلاح لكل بيئة وعصر ، فقد تمسّك أحمد بنصوص الشرع التي غلب عليها التيسير لا التعسير . مثال ذلك : " الأصل في العقود عنده الإباحة ما لم يعارضها نص " ، بينما عند بعض الأئمة الأصل في العقود الحظر ما لم يرد على إباحتها نص . . . وكان شديد الورع في الفتاوى وكان ينهى تلامذته أن يكتبوا عنه الأحاديث فإذا رأى أحدا يكتب عنه الفتاوى ، نهاه وقال له : " لعلي أطلع فيما بعد على ما لم أطلع عليه من المعلوم فأغير فتواي فأين أجدك لأخبرك ؟ . . . ولما علم اللّه تعالى صدق نيته وقصده قيّض له تلامذة من بعده يكتبون فتاويه وقد كتبوا عنه أكثر من ستين ألف مسألة . ولقد أخذ بمبدإ الاستصحاب كما أخذ بالأحاديث المرسلة .

رفضه للفتوى في أول حياته :

مع انتشار علمه في الآفاق ، لم يفت وقد أصرّ الناس عليه بالفتوى فلم يفت إلا بعد أن بلغ الأربعين من عمره وذلك لأسباب : 1 - تقليد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهو في هذا كعبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما . 2 - كان يعتبر الفقه أو مجلس الفتيا مجلس الوراثة النبوية . 3 - كيف يفتي والشافعي شيخه وإمامه وهو لا يزال على قيد الحياة .

شدة حرصه وأسلوبه في التدريس :

ومع أنه أوتي حافظة لم يؤتها أحد في عصره إلا نادرا ، كان يحمل كتبه أي كتب الحديث ويأتي بها إلى المجلس ويوصي تلامذته أن لا يحدّثوا إلا من كتاب . وكان إذا جلس في الدرس يسود مجلسه الوقار والسكينة كأنما على رؤوسهم الطير ، وكانت هذه السكينة تظلل مجالسه كلها إلى جانب تواضعه العظيم . وأي مجلس جلس فيه الإمام أحمد سواء كان معلما أو متعلما ساده السكينة والوقار ، كان هذا الطبع منه يهيمن على الشيوخ الذين كان يأخذ عنهم ، وذلك بسبب احترامه وتقديره والشخصية العظيمة التي كان يتمتع بها . يروى عن أستاذه يزيد بن