ظل أحمد يسعى وراءه هنا وهناك ليلقاه ولكن من غير جدوى . وكان ابن المبارك فقيها محدّثا واسع العلم وواسع الغنى وكان من أزهد الناس . وتعلّم أحمد من ابن المبارك حقيقة الزهد وكان يطعم الفالوذج ويأكل الخبز وإذا اشتهى طعاما طيبا لم يأكله إلا مع ضيف ويقول : بلغنا أنّ طعام الضيف لا حساب عليه . وقيل له قلّ مالك فقلّل من صلة الناس فقال : إن كان المال قلّ فإنّ العمر قد نفد . وأصبح يعتبره أحمد أستاذه في الحديث والسلوك . وحاول أن يصله مثل عبد الرزاق ولكن أبى أحمد وقال : أنا ألزمك لفقهك وعلمك لا لمالك . وتلقى الحديث عن هشيم بن بشير واستفاد منه أكثر ما استفاد من غيره وتعلم منه الهمة العالية في الحديث . وتلقى الفقه وأصوله عن الشافعي .
حجة بيت اللّه الحرام :
حج الإمام أحمد خمس مرات إلى بيت اللّه ، حج منها ثلاث مرات ماشيا راجلا وذلك لأنه كان قليل المال ولكن ما منعه ذلك عن الحج .
ورعه وتقواه وتعففه :
من عظيم ما عرف به الإمام أحمد هو تعففه وله في ذلك قصص رائعة ، فقد كان يسترزق بأدنى عمل وكان يرفض أن يأخذ من صديق ولا شيخ ولا حاكم قرضا أو هبة أو إرثا لأحد يؤثره به . وقد يقبل هدية ولكنه يعجل في إعطاء من أهداه هدية مثلها أو خيرا منها ، رافعا بذلك شأن العلم والعلماء . ولقد أجمعت الأمّة على صلاحه وكان مضرب مثل في الصلاح والتقوى حتى أنّ بعض العلماء قال : لو أنّ أحدا قال إنّ الإمام أحمد هو من أهل الجنة لم يحنث ولم يتألى على اللّه تعالى ، ودليلهم على ذلك إجماع أهل العراق والشام وغيرهم على هذا الأمر والإجماع حجة .
تنبيه : إجماع الأمة على هذا الأمر إنما كان بعد مماته .
منهجه العلمي ومميزات فقهه :
اشتهر الإمام أنه محدّث أكثر من أن يشتهر أنه فقيه مع أنه كان إماما في كليهما . ومن شدة ورعه ما كان يأخذ من القياس إلا الواضح وعند الضرورة فقط وذلك لأنه كان محدّث عصره وقد جمع له من الأحاديث ما لم يجتمع لغيره ، فقد كتب مسنده من أصل سبعمائة وخمسين ألف حديث ، وكان لا يكتب إلا القرآن والحديث من هنا عرف فقه الإمام أحمد بأنه الفقه بالمأثور ، فكان لا يفتي في مسألة إلا إن وجد لها من أفتى بها من قبل صحابيا كان أو تابعيا أو إماما .
وإذا وجد للصحابة قولين أو أكثر ، اختار واحدا من هذه الأقوال وقد لا يترجّح عنده قول صحابي على الآخر فيكون للإمام أحمد في هذه المسألة قولين .