فضل اللّه عليّ فيكم .
كان الخليفة أبو منصور يرفع من شأن أبي حنيفة ويكرمه ويرسل له العطايا والأموال ولكن أبا حنيفة كان لا يقبل عطاء . ولقد عاتبه المنصور على ذلك قائلا : لم لا تقبل صلتي ؟ . فقال أبو حنيفة : ما وصلني أمير المؤمنين من ماله بشيء فرددته ولو وصلني بذلك لقبلته إنما وصلني من بيت مال المسلمين ولا حق لي به .
وقع يوما بين الخليفة المنصور وزوجته شقاق وخلاف بسبب ميله عنها ، فطلبت منه العدل فقال لها من ترضين في الحكومة بيني وبينك ؟ قالت أبا حنيفة ، فرضي هو به فجاءه فقال له : يا أبا حنيفة زوجتي تخاصمني فانصفني منها ، فقال له أبو حنيفة :
ليتكلّم أمير المؤمنين . فقال المنصور : كم يحلّ للرجال أن يتزوج من النساء ؟ قال : أربع .
قال المنصور لزوجته : أسمعت . فقال أبو حنيفة : يا أمير المؤمنين إنما أحلّ اللّه هذا لأهل العدل فمن لم يعدل أو خاف أن لا يعدل فواحدة لقوله تعالى :
فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً
، [ النساء : 3 ] ، فينبغي لنا أن نتأدّب مع اللّه ونتّعظ بمواعظه . فسكت المنصور وطال سكوته ، فقام أبو حنيفة وخرج فلما بلغ منزله أرسلت إليه زوجة المنصور خادما ومعه مال وثياب ، فردها وقال : أقرئها السلام وقل لها إنما ناضلت عن ديني وقمت بذلك المقام للّه ولم أرد بذلك تقربا إلى أحد ولا التمست به دنيا .
حرصه على مظهره :
كان حريصا على أن يكون مظهره حسنا تماما لذا كان كثير العناية بثيابه .
رأى مرة على بعض جلسائه ثيابا رثة فأمره أن ينتظر حتى تفرّق المجلس وبقي وحده فقال له : ارفع المصلى وخذ ما تحته ، فرفع الرجل المصلى وكان تحته ألف درهم ، وقال له خذ هذه الدراهم وغيّر بها حالك ، فقال له الرجل إني موسر وأنا في نعمة ولست أحتاج إليه ، فقال له أبو حنيفة : أما بلغك الحديث : " إنّ اللّه يحب أن يرى أثر نعمته على عبده " ؟ .
طلبه للعلم :
لزم أبو حنيفة عالم عصره حمّاد بن أبي سليمان وتخرّج عليه في الفقه واستمر معه إلى أن مات . بدأ بالتعلم عنه وهو ابن 22 سنة ولازمه 18 سنة من غير انقطاع ولا نزاع . يقول أبو حنيفة : " بعد أن صحبت حمّادا عشر سنين نازعتني نفسي لطلب الرئاسة ، فأردت أن أعتزله وأجلس في حلقة لنفسي . فخرجت يوما بالعشيّ