البحر بعصاه حين دنا أوائل جند فرعون من أواخر جند موسى ، فانفرق البحر كما أمره ربه ، وكما وعد موسى ، فلما جاوز موسى وأصحابه كلهم البحر ، ودخل فرعون وأصحابه التقى عليهم البحر كما أمر ، فلما جاوز موسى قال أصحابه : إنا نخاف أن لا يكون فرعون غرق ، ولا نؤمن بهلاكه ، فدعا ربه ، فأخرجه له ببدنه حتى استيقنوا بهلاكه ، ثم مروا بعد ذلك على قوم يعكفون على أصنام لهم
قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ( 138 ) إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
( 139 ) قد رأيتم من العبر وسمعتم ما يكفيكم ، ومضى فأنزلهم موسى منزلا ، وقال : أطيعوا هارون فإن اللّه قد استخلفه عليكم ، فإني ذاهب إلى ربي ، وأجلهم ثلاثين يوما أن يرجع إليهم فيها ، فلما أتى ربه عز وجل وأراد أن يكلمه في ثلاثين يوما ، وقد صامهن ليلهن ونهارهن وكره أن يكلم ربه وريح فيه ريح فم الصائم ، فتناول موسى شيئا من نبات الأرض فمضغة ، فقال له ربه حين أتاه : لم أفطرت ، وهو أعلم بالذي كان ، قال : يا رب ، إني كرهت أن أكلمك إلا وفمي طيب الريح ، قال : أو ما علمت يا موسى أن ريح فم الصائم أطيب من ريح المسك ، ارجع فصم عشرا ثم ائتني ، ففعل موسى ما أمره به ربه ، فلما رأى قوم موسى أنه لم يرجع إليهم في الأجل ساءهم ذلك ، وكان هارون قد خطبهم ، فقال : إنكم خرجتم من مصر ولقوم فرعون عندكم عواري وودائع ، ولكم فيها مثل ذلك ، وأنا أرى أن تحتسبوا مالكم عندهم ، ولا أحل لكم وديعة استودعتموها ولا عارية ، ولسنا برادين إليهم شيئا من ذلك ولا ممسكيه لأنفسنا ، فحفر حفيرا ، وأمر كل قوم عندهم من ذلك متاع أو حلية أن يقذفوه في ذلك الحفير ، ثم أوقد عليه النار فأحرقه ، فقال : لا يكون لنا ولا لهم ، وكان السامري من قوم يعبدون البقر جيران لبني إسرائيل ، ولم يكن من بني إسرائيل ، فاحتمل مع موسى وبني إسرائيل حين احتملوا ، فقضى له أن رأى أثرا ، فقبض منه قبضة ، فمر بهارون ، فقال له هارون :
يا سامري ، إلا تلقي ما في يديك ، وهو قابض عليه لا يراه أحد طوال ذلك ، فقال : هذه قبضة من أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر ، ولا ألقيها لشيء إلا أن تدعو اللّه إذا ألقيتها أن يكون ما أريد ، فألقاها ، ودعا له هارون ، فقال : أريد أن تكون عجلا ،