قال سعيد بن جبير وعكرمة والقاسم بن أبي بردة والأوزاعي وغيرهم : لما سجد السحرة رأوا منازلهم وقصورهم في الجنة تهيأ لهم ، وتزخرف لقدومهم ، ولهذا لم يلتفتوا إلى تهويل فرعون وتهديده ووعيده . وذلك لأن فرعون لما رأى هؤلاء السحرة قد أسلموا ، وأشهروا إسلامهم ذكروا موسى وهارون في الناس على هذه الصفة الجميلة ، أفزعه ذلك ورأى أمرا أبهره وأعمى بصيرته وبصره ، وكان فيه كيد ومكر وخداع وصنعة بليغة في الصد عن سبيل اللّه ، فقال مخاطبا للسحرة بحضرة الناس :
آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ
أي هلا شاورتموني فيما صنعتم من الأمر الفظيع بحضرة رعيتي ، ثم تهدد وتوعد وأبرق وارعد وكذب فأبعد قائلا :
إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ
، وقال في الآية الأخرى :
إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
( 123 ) وهذا الذي قاله من البهتان يعلم كل فرد عاقل ما فيه من الكفر والكذب والهذيان ، بل لا يروج مثله على الصبيان ، فإن الناس كلهم من أهل دولته وغيرهم يعلمون أن موسى لم يره هؤلاء يوما من الدهر ، فكيف يكون كبيرهم الذي علمهم السحر ؟
ثم هو لم يجمعهم ولا علم باجتماعهم ، حتى كان فرعون هو الذي استدعاهم واجتباهم من كل فج عميق ، وواد سحيق ، ومن حواضر بلاد مصر ، والأطراف ومن المدن والأرياف .
قال اللّه تعالى في سورة الأعراف :
ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ( 103 ) وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 104 ) حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ ( 105 ) قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 106 ) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ ( 107 ) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ ( 108 ) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ ( 109 ) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَما ذا تَأْمُرُونَ ( 110 ) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ ( 111 ) يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ ( 112 ) وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ ( 113 ) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ( 114 ) قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ ( 115 )