وقد تضمن مع هذا وصف اللّه سبحانه بالعدل .
2 - وفي باب الافتنان :
يعرفه بأنه " أن يأتي المتكلم في كلامه بفنّين متضادين أو مختلفين أو متفقين " « 1 » ، ويستشهد للقسم الأول بقول عبد اللّه بن طاهر بن الحسين :
أحبك يا ظلوم وأنت مني * مكان الروح من جسد الجبان
ولو أني أقول مكان روحي * خشيت عليك بادرة الطّعان
فقد جمع بين الغزل والحماسة بأرشق عبارة وأبلغ إشارة .
ومنه الجمع بين التعزية والتهنئة كقول ابن المعزّي ليزيد بن معاوية عندما جلس في الخلافة ، وأتت الوفود لتهنئته وتعزيته بأبيه ، فلما اجتمعوا لم يفتح على أحد بما فتح به لهم باب القبول إذ استأذن في الكلام ، فلما أذن له قال : " آجرك اللّه يا أمير المؤمنين على الرزيّة وبارك اللّه لك في العطية ، فلقد رزئت عظيما وأعطيت جسيما ، رزئت خليفة اللّه ، وأعطيت خلافة اللّه فاصبر على ما رزئت واشكر على ما أعطيت ، ثم أنشد :
اصبر يزيد فارقت ذا ثقة * واشكر حباء الذي بالملك أصفاك
لا رزء أصبح في الأقوام تعلمه * كما رزئت ولا عقبى كعقباك
أصبحت راعي أمور الناس كلّهم * فأنت ترعاهم واللّه يرعاكا
يقول ابن أبي الإصبع " وما رأيت أحسن من هذا الكلام ، فإن النثر المتقدم هو حل الشعر المتأخر ، والشعر المتأخر عقد النثر المتقدم مع ما في مفردات جمله من ضروب المحاسن وفنون المقاصد مثل المقابلة والمناسبة والتعطف والمساواة وتمكين المقاطع على ما في الشعر من زيادة احتراس ، ومقارنة ، وإيغال في سلامة سبك وخفة ألفاظ ، وصحة معان ، وفرط إيجاز " .
والمهم هنا أنه ينتقل من هذا وغيره من الشواهد الشعرية إلى قوله : " وكل هذه المعاني تتزيّف عند قوله تعالى
( ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا )
[ مريم : 72 ] . وهذا يحمل في ضمنه موازنة أجالها ابن الإصبع بينه وبين
هامش
( 1 ) بديع القرآن 297 .