وهنا نلحظ أن المسألة ليست مجرد مقارنة بين ما أعطاه اللّه لداود وما أعطاه لسليمان ، فيكون في قوله تعالى :
( فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ )
إشارة إلى ما في حكم سليمان من تحقيق ذلك التوازن الذي قام عليه خلق السماوات والأرض وقام عليه انتظام الحياة في الأرض ، ويقوم عليه القضاء والفصل بين الناس ، لكن لما اقتضى السياق تخصيص سليمان عليه السلام بهذا ، استدرك بقوله سبحانه
( وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً )
، فلا ينبغي أن يفهم من ذلك الموقف أفضلية ما لسليمان على أبيه عليهما السلام .
ثم عاد فذكر أن الحظوظ لا بدّ أن تتفاوت تفاوت تكامل لا تفاوت تصادم ليتحقق ذلك التوازن حتى بين الأنبياء وبين الابن وأبيه ، فإذا كان قد خصّ داود بتسخير الجبال والطير يسبّحن معه ، وعلمه صناعة الدروع من الحديد « 1 » ، ( آية 79 ، 80 الأنبياء ) فإنه سبحانه قد خص سليمان بتسخير الريح عاصفة تجرى بأمره . . ( آية 81 الأنبياء ) . وخلاصة هذا أن خصوصية المعاني القرآنية وما يترتب عليها من خصوصيات الأداء لا تتبين إلا عند الربط بالسياق .
موازنات غير صريحة :
نجد هذا في أكثر أبواب " بديع القرآن " والمهم أن فكرة البحث عن جهات عن التميز كانت قائمة في نفسه ، وأن الموازنة كانت هي السبيل الذي يراه جديرا بتحقيق تلك الغاية ، سواء كانت ظاهرة كما سبق أم غير ظاهرة كما نجدها في أبواب كثيرة من كتابه ومنها :
1 - في باب النزاهة :
وكان يقصد بها " نزاهة ألفاظ الهجاء من الفحش ، حتى يكون الهجاء كما قال فيه أبو عمرو بن العلاء وقد سئل عن أحسن الهجاء فقال : هو الذي إذا أنشدته العذراء في خدرها لا يقبح عليها ثم يستشهد له بشواهد من الشعر ويعقبه بما ورد
هامش
( 1 ) لا يفوتنا أن هذا أيضا يشير إلى فضل اللّه في هدايته لتلك الصناعة حتى يتحقق التوازن في الأرض( وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ )[ البقرة : 251 ] .