منه في القرآن الكريم ثم يقف مع شاهد القرآن فيذكر ما يميزه من البلاغة بما يشير إلى خصوصية في نظمه يفتقر إليها ما ورد منه في الشعر .
فما ورد منه في الشعر قول جرير :
لو أن تغلب جمّعت أحسابها * يوم التفاخر لم تزن مثقالا
وكقوله عمرو بن معدي كرب الزبيدي :
ظللت كأني للرماح دريئة * أطاعن عن أبناء جرم وفرّت
فأنت ترى مضاضة هذا الهجاء ونزاهة ألفاظه من الفحش .
ومن أمثلة هذا الباب في الكتاب العزيز قوله تعالى :
( وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ )
[ النور : 48 - 50 ] ، فإن ألفاظ ذم هؤلاء المخبر عنهم بهذا الخبر أتت منزهة عما يقع في الهجاء من فحش " « 1 » .
ثم يذكر ابن الأبي الإصبع ميزات في هذه الآية زائدة على النزاهة وتعد من خصوصيات نظمها فيقول : " واتفق في الآية مع النزاهة صحة التقسيم ، فإنها لم تبق قسما يقع في القلوب من الصوارف عن القبول حتى جاءت به ، ألا ترى أنه سبحانه ذكر الريبة بعد المرض ، لأن الصارف عن حكم اللّه ورسوله إما إخفاء الكفر وإظهار الإسلام ، وهو المرض ، أو التشكك في حكم اللّه هل هو جار على العدل أو على غيره وذلك هو الريبة ، أو خوف الحيف وهو الجور ، فلم يبق قسم من الصوارف حتى ذكر فيها ثم ختمها سبحانه بقوله
( بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ )
وأخر القسم الأخير وهو الخوف من الحيف والجور الذي غلب على ظنهم الفاسد ، ليكون مجاورا للفاصلة التي ترد عليه
( بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ )
.
وفيها إيغال لأنه حقق الظلم وصفا لهم ، ونفاه عنه سبحانه وتعالى ، فحصل
هامش
( 1 ) بديع القرآن 293 بتصرف يسير