إن التطلع الواعي لتشبيه هذه الآية يعني اضطراب النفس حول هذا المصير المؤلم لهذا الجزء الشفاف من البدن وهو القلب ، وليس المراد هو هذا العضو الصنوبري بمركباته العضوية ، وإنما المراد هو هذا العضو بما ضم بين جانبيه من مخايل الرحمة والرقة والهدى والإيمان ، وما يستلزم ذلك من الهداية والرشاد والاطمئنان ، وبهذا التشبيه تحقق نفي هذه المستلزمات جميعا عن القلب ، فعاد حجارة لا تضر ولا تنفع ، صماء لا تستهدي ولا تستثير .
ب - وحينما يريد القرآن الكريم التزهيد في الحياة الدنيا ، فإنّه يسلك عدة سبل لذلك ، ولكنه حينما يعتمد التشبيه الفني صورة حية لذلك ، فإنه يعمد إلى هبات الطبيعة ، ومقومات الحياة ، فيصورها بما يبلغ به المراد ، فتجده من خلال ذلك ينظر إلى الماء بوصفه عنصرا أساسيا في حياة الإنسان ، فهو يدور معه حيث دار ، ويتعلق به أنى وجد ، فارتباطه به ارتباطا أساسيا في حياة الإنسان ، فهو يدور معه حيث دار ، ولكنه مع ذلك ينتفع به انتفاعا محدودا قدر الحاجة ، وما زاد على ذلك فهو سارب في سبيله ، لا دوام له ولا بقاء ، فعمد إلى تشبيه الحياة الدنيا به من خلال هذا الملحظ الدقيق في محاولة تفرض التأثير على النفس ، وتوجه الانتباه المتزايد ، فقال تعالى :
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ( 45 )
« 1 » .
لهذا يرى الأستاذ محمد المبارك بمثل هذه الطريقة القرآنية نوعين من المعرفة : فكرية وفنية « فهي من الوجهة الفكرية : نوع من القياس والحكم بالنظائر والأشباه ، ومن الوجهة الفنية نوع من التشبيه الموسع على صور جذابة » « 2 » .
ج - وحينما يرصد القرآن الكريم البيئة المختلفة لطبقة من الناس همها علفها ، وشغلها تقممها ، لا تفكير لها إلا في الملذات ، ولا أمر عندها إلا
هامش
( 1 ) الكهف : 45 .
( 2 ) محمد المبارك ، دراسة أدبية لنصوص القرآن : 107 .