والتطير الذي توجده هذه الصورة الشديدة ، وإن شئت فانظر إلى قوله تعالى :
وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ ( 41 ) ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ ( 42 )
« 1 » .
سترى كيف ازدادت عندك الحالة المتصورة سوءا . وكيف نفر منها طبعك نفورا ، فما هو شأن هذه الريح المشومة التي جاءت بعذاب الاستئصال ؟ وما هي خصائصها التي أوجدها اللّه - عزّ وجلّ - وسخّرها للهلاك التام المدمر حتى عاد كل شيء أتت عليه كالورق الجاف المتحطم نظرا لشدة عصفها ، وسرعة تطايرها ، وخفة مرورها .
وإضافة إلى ما تقدم نلمس في تشبيهات القرآن ، وهي الذروة في تشبيهات اللغة العربية الكريمة ، المحاكاة في الأمور المحسوسة ، والمماثلة في الإدراكات المشاهدة ، لأن في التصوير الحسي ، والتشبيه في المشاهدات ، انتقالا من الأمور الذهنية الصرفة إلى العيان والنظر ، وانصرافا من القضايا العقلية المحضة إلى انعام الحواس بما تدركه دون جهد عقلي في تصور أمر مفروض ، أو معنى ذهني مجرد ، لا يتحقق مصداقه في الخارج إلا بما هو حسي ، فيزول - عندئذ - الغموض والإبهام ، وتدرك في ضوء ذلك حقائق الأشياء .
يقول الدكتور أحمد أحمد بدوي : « وليس التشبيه في واقع الأمر سوى إدراك ما بين أمرين من صلة في وقعهما على النفس ، أما تبطن الأمور ، وإدراك الصلة التي يربطها العقل وحده فليس ذلك من التشبيه الفني » « 2 » .
إذ الصورة التي يكدح العقل ويكد الذهن في استخراج أجزائها وربط علاقاتها ، تكاد تكون بعيدة عن الدائرة الفنية للتشبيه ، لأن إدراك المعقولات بعملية عقلية خالصة ، لا يكون من اليسر كإدراكها بالحسيات المشاهدة ، وإن شئت فانظر إلى قوله تعالى :
يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ
« 3 » .
هامش
( 1 ) الذاريات : 41 - 42 .
( 2 ) أحمد بدوي ، من بلاغة القرآن : 187 .
( 3 ) الأنبياء : 104 .