فيها ، وكذلك إذا شبهتها بصورة شيء أقبح منها كان ذلك مثبتا في النفس خيالا يدعو إلى التنفير منها » « 1 » .
والذي أعتقده أن ابن الأثير قد استفاد هذا الحكم في التشبيه - وإن كان بديهيا إلى حد ما - من خلال نظره في تشبيهات العرب بعامة ، وفي تشبيهات القرآن بخاصة ، إذ يلاحظ أن التشبيهات القرآنية قد ربطت إلى جانب الحس العاطفي تخيل الصورة في النفس ، وإثارة الانفعالات الوجدانية حولها في مجالين متقابلين هما مجال الترغيب ، ومجال التنفير ، تمشيا مع اعتياد العرب في ذلك .
أ - أما في الترغيب فانظر إلى قوله تعالى :
وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ ( 48 ) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ( 49 )
« 2 » .
ألا ترى ما في الوصف والتشبيه في هاتين الآيتين من التراصف ، وإثارة النفس ، نحو التعليق بمن تتحقق فيه هذه الأوصاف التي تطمئن إليها الروح ، وتهش لها النفس ، ويتطلع إليها الفكر مع نقاء الصورة ، ولطف الاستدراج ، ورقة الترغيب المتناهي ، فقد وصف نساء أهل الجنة بحسن العيون الناظرة إلى أزواجها فحسب عفة وخفرا وطهارة ، وشبههن بالبيض المكنون على عادة العرب في وصف وتشبيه من اشتد حجابه ، وتزايد ستره ، بأنه في كن عن التبرج ، ومنعة من الاستهتار .
قال ابن ناقيا البغدادي ( ت : 485 ه ) تعقيبا على تشبيه الآيتين :
« وهذا الكلام غاية في مناسبة الوصف ومطابقته ، وبلاغة معنى التشبيه وموافقته » « 3 » .
ب - وأما في التنفير ، فتزداد النفس عزوفا ، وتتوارى عن الصورة المتخيلة أو المتجسدة نفورا ، وقد شبهت بما هو أقبح منها ، حتى تبدو الاستهانة واضحة والاشمئزاز منها متوقعا ، مضافا إلى الهلع والرعب
هامش
( 1 ) ابن الأثير ، المثل السائر : 1 / 394 .
( 2 ) الصافات : 48 - 49 .
( 3 ) ابن ناقيا ، الجمان في تشبيهات القرآن : 242 .