وأورد أيضا : قف عند مقاطع الكلام وحدوده ، وإياك أن تخلط المرعي بالمهمل ، ومن حلية البلاغة المعرفة بمواضع الفصل والوصل « 1 » .
وأقدم ما وصلنا من نص في هذا المعنى ، أن أكثم بن صيفي إذا كاتب مملوك الجاهلية ، يقول لكتابه : « افصلوا بين كل معنى منقض ، وصلوا إذا كان الكلام معجونا بعضه ببعض » « 2 » .
ولا نريد أن نطيل بعرض آراء القوم بالفصل والوصل وعلاقتهما الأكيدة بالبلاغة ، بقدر ما تزيده من التحقق في هذه الدعوى من خلال مباحث الفصل والوصل .
ولعل عبد القاهر الجرجاني ( ت : 471 ه ) هو المجلي في هذا المضمار ، والفارس المتقدم في هذا الميدان وهو يضع الفصل والوصل في موضع الندوة من الفن البلاغي فيقول : « اعلم أن العلم بما ينبغي أن يصنع في الجمل من عطف بعضها على بعض ، أو ترك العطف فيها ، والمجيء بها منثورة تستأنف واحدة منها بعد أخرى ، من أسرار البلاغة ، ومما لا يتأبى لتمام الصواب فيه إلا الأعراب الخلص ، والأقوام طبعوا على البلاغة ، وأوتوا فنا من المعرفة في ذوق الكلام هم بها أفراد ، وقد بلغ من قوة الأمر في ذلك أنهم جعلوه حدا للبلاغة . . . وذلك لغموضه ودقة مسلكه وأنه لا يكمل لإحراز الفضيلة فيه أحد إلا كمل لسائر معاني البلاغة » « 3 » .
أوضح عبد القاهر في هذا النص عدة ملامح :
1 - أن الوصل هو عطف الجمل بعضها على بعض .
2 - أن الفصل هو ترك العطف فيها والمجيء بها منثورة .
3 - أن العلم بهذا الفن من أسرار البلاغة .
4 - أن إدراك هذه الأبعاد متكاملة ، من مميزات العرب الأقحاح ممن طبعوا على البلاغة فطريا .
هامش
( 1 ) المصدر نفسه : 458 .
( 2 ) المصدر نفسه : 460 .
( 3 ) الجرجاني ، دلائل الإعجاز : 149 .