الأصل الأول :
وهو أخذ الشبه الاستعاري من الحسي إلى العقلي ، وهو أكثر أنواع الشبه في القرآن الكريم ، ويمكن تجسيده في النماذج الآتية :
1 - قوله تعالى :
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها . . .
« 1 » فقد استعار كلمة « انسلخ » وعبر بها تعبيرا دقيقا عن مدى التخلي التام عن آيات اللّه تعالى ، فهي تصور حالة النزع الشديد في مفارقتها ، وتمثل انحسار هذا الضوء الهادي عن قلب هذا الرجل تدريجيا حتى عاد فارغا من الهداية شيئا فشيئا .
وهذه الاستعارة تمثل دورا مهما في رسم المشهد التصويري لحالة هذا الرجل في تلاشي عناصر الخير عنده جملة ، وتجرده منها تجردا كاملا يوحي بكيفية تجرد الشاة عن إهابها ، ونزعها لردائها أثناء السلخ ، في بطء وتدرج وشدة حتى عادت سنخا آخر في الهيكل والصورة والتحول ، وكذلك أمر هذا الرجل إذ استحال إلى حقيقة أخرى جوفاء مترهلة .
وبديهي أن الآيات في إدراك المعرفة أمر عقلي ، وأن السلخ أمر مادي ، فاستعير هنا المحسوس للتعبير عن المعقول بصورة شاخصة تنبض بالتعبير الحي ، فتثبت الحقيقة الواقعة للأمر من المجرد العقلي إلى الإدراك الحسي المتميز « 2 » .
2 - قوله تعالى :
الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 27 )
« 3 » فقد استعير النقض ، وهو الحل وهو حسي إلى عدم الوفاء بالعهود وهو عقلي ، واستعير القطع وهو حسي ، إلى ترك البر وهو أمر عقلي « والنهي عن قطع الرحم إنما هو نهي عن قطع صلتها بالبر فهو قطع مجازي ، لأن القطع الحقيقي فصل جرم عن جرم » « 4 » . وكذلك بالنسبة إلى نقض الميثاق ،
هامش
( 1 ) الأعراف : 175 .
( 2 ) ظ : المؤلف ، الصورة الفنية في المثل القرآني : 202 .
( 3 ) البقرة : 27 .
( 4 ) عز الدين بن عبد السلام ، الإشارة إلى الإيجاز : 69 .