أجرى عليها اسم السلخ ، فكان أفصح من قوله لو قال : نخرج ، لأن السلخ أدل على الالتحام المتوهم فيهما من الإخراج » « 1 » .
وكل ما تقدم من خصائص يوحي بأن الاستعارة هي التي لونت هذه الصور ، وكشفت أصالة ما يريد القرآن في التعبير عنه بآياته المشتملة على الاستعارة لغرض خاص يمنحها قوة الأمثال من جهة في السيرورة والانتشار ، والدرجة البلاغية في المتانة والجودة من جهة أخرى ، بحيث يعود لفظ الاستعارة متميزا لا يسد مسدّه لفظ آخر ، ولا يشاكله تعبير مقارب ، وتلك لمحات فنية مؤثرة ، وأسرار جمالية متناهية آثرت التصوير الاستعاري بإضافات تحدت المفهوم الحقيقي للكلمات في أصل اللغة ، وبذلك بلغت الاستعارة في القرآن الكريم مرتبة الإعجاز ، وفاقت المستوى الحضاري للكلمات في ذروة تطورها وعطائها عند العرب .
يقول الدكتور أحمد بدوي متحدثا عن تأثير الاستعارة القرآنية :
« وإذا أنت مضيت إلى الألفاظ المستعارة رأيتها من هذا النوع الموحي لأنها أصدق أداة تجعل القارئ يحس بالمعنى أكمل إحساس وأوفاه ، وتصور المنظر للعين ، وتنقل الصوت للأذن ، وتجعل الأمر المعنوي ملموسا محسا . . . فقد يجسم القرآن المعنى ، ويهب للجماد العقل والحياة ، زيادة في تصوير المعنى وتمثيله للنفس ، وذلك بعض ما يعبر عنه البلاغيون بالاستعارة المكنية ، ومن أروع هذا التجسيم قوله سبحانه :
وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ . . .
« 2 » .
ألا تحس بالغضب هنا كأنه إنسان يدفع موسى ويحثه على الانفعال والثورة ، ثم سكت وكف عن دفع موسى وتحريضه » « 3 » .
إن جميع الصور الاستعارية التي تشتمل عليها فقرات جملة من الآيات القرآنية ، لا يمكن أن تتجلى على حقيقتها إلا بالاستعارة بحيث
هامش
( 1 ) العسكري ، كتاب الصناعتين : 279 .
( 2 ) الأعراف : 154 .
( 3 ) أحمد أحمد بدوي ، من بلاغة القرآن : 217 و 222 .