تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إبراز المعاني من حرز الأماني في القراءات السبع — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
87 - [ هو المجتبى يغدو على النّاس كلّهم * قريبا غريبا مستمالا مؤمّلا ]
المجتبى : المختار ، وفي يغدو وجهان : أحدهما أنها جملة مستأنفة . والثاني أنها حال من ضمير المجتبى . وفي معناها أيضا وجهان : أحدهما أنها من غدا يغدو إذا مر : أي أنه يمر بالناس متصفا بهذه الصفات الجليلة المذكورة وهو باين منهم : أي يمر بهم مرورا غير مزاحم لهم على الدنيا ولا مكاثر لهم . والثاني أنه من غدا بمعنى صار التي من أخوات كان وعلى الناس خبرها : أي رفع اللّه تعالى منزلته على الناس ؛ وقريبا وما بعده أخبار لها أيضا أو أحوال ؛ والمراد بقربه تواضعه ، أو هو قريب من اللّه تعالى قرب الرحمة والطاعة ، وهو غريب في طريقته ومذهبه ، لقلة أشكاله في التمسك بالحق لأنه كالقابض على الجمر ، مستمالا أي يطلب منه من يعرف حاله الميل إليه والإقبال عليه ، ويؤمل عند نزول الشدائد كشفها بدعائه وبركته : أي من جملة صفاته أن يكون مطلوبا للناس لا طالبا لهم بل ينفر منهم بجهده .
88 - [ يعدّ جميع النّاس مولى لأنّهم * على ما قضاه اللّه يجرون أفعلا ]
يعد هنا : بمعنى يعتقد ويحسب ، فلهذا عداها إلى مفعولين ، وأفرد مولى لأن « جميع » لفظ مفرد كقوله :
( نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ
« 1 »
)
. وفي معناه وجهان . أحدهما أنه أراد يعد كل واحد منهم عند اللّه تعالى مأمورا مقهورا لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ؛ فلا يرجوهم ولا يخافهم ، بل يكون اعتماده واتكاله على خالقه ، أو لا يرى لهم نفعا ولا ضرا لأن أفعالهم تجرى على سابق القضاء والقدر . والثاني أنه أراد سيدا ، فلا يحتقر أحدا منهم بل يتواضع لكبيرهم وصغيرهم ، لجواز أن يكون خيرا منه ، فإن النظر إلى الخاتمة . فعلى الأوّل وصفه بالتوكل وقطع طمعه عن الخلق . وعلى الثاني وصفه بالتواضع وصيانة نفسه عن الكبر والعجب ونحوهما . ثم علل ذلك بقوله : لأنهم على ما قضاه اللّه : أي تجرى أفعالهم على ما سبق به القضاء من السعادة والشقاء وأفعلا تمييز . ووجه جمعه اختلاف أنواع أفعال الخلق فهو كقوله تعالى :
( بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا
« 2 »
)
واللّه أعلم .
89 - [ يرى نفسه بالذّمّ أولى لأنّها * على المجد لم تلعق من الصّبر والألا ]
أي لا يشغل نفسه بعيب الناس وذمهم ويرى ذمه لنفسه أولى ، لأنه يعلم منها ما لا يعلمه من غيرها ، أو يرى نفسه مقصرة بالنسبة إلى غيره ممن سبقه من المجتهدين فيذمها لذلك ، وقوله : على المجد : أي على تحصيل الشرف
هامش
( 1 ) سورة القمر ، آية : 44 . ( 2 ) سورة الكهف ، آية : 103 .
إبراز المعاني من حرز الأماني في القراءات السبع — صفحة 58 | عبد الرحمن بن اسماعيل بن ابراهيم (أبي شامة المقدسي)