واعلم أنّ النّور المجرّد المدبّر لا يتصوّر عليه العدم بعد فناء صيصيته ، فإنّ النّور المجرّد لا يقتضى عدم نفسه ، وإلّا ما وجد ، لوجوب مقارنة وجود المعلول ، وهو عدمه ، لوجود العلّة التامّة ، وهي ذاته المقتضية لعدمه ، ولا يبطله موجبه . وفي بعض النّسخ : « موجده » . وهو النّور القاهر ، فإنّه لا يتغيّر . لاستلزام تغيّره تغيّر نور الأنوار ، تعالى عنه علوّا كبيرا ( 240 ) ثمّ الشّىء يعتى : النّور القاهر ، كيف يبطل لازم ذاته ، يعنى : النّور المدبّر ، لأنّ الأنوار المدبّرة هي أشعّة الأنوار القاهرة الأزليّة الأبديّة الغير المتغيّرة ، وهي لازمة لها غير منفكّة عنها ، بذاته .
واعلم أنّ الحكم ، بكون النّور المدبّر لازم ذات النّور القاهر ، ينافي الحكم بحدوثه ، اللّهمّ إلّا يقال : إنّ المدبّر لازم ذات القاهر بشرط هو حدوث البدن ، وفيه بعد .
ثمّ إنّ النّور كيف يبطل شعاعه وضوءه بنفسه ، مع وجوبه ودوامه بدوامه ، والأنوار المجرّدة ليس بينها مزاحمة على محلّ أو مكان ، لتقدّسها عنهما .
أمّا تقدّسها ، يعنى براءتها عن المحلّ ، فلجوهريّتها ، وأمّا عن المكان ، فلتجرّدها عن الموادّ الجسمانيّة . وإذ كان كذلك فالأنوار المجرّدة المدبّرة لا تكون كالأعراض الجسمانيّة الباطلة بالتّزاحم على المحلّ ، كالسّواد الّذى يبطل البياض عند مزاحمته له في محلّة ، ولا كالأجسام المتزاحمة على الأمكنة المبطل بعضها بعضا .
وليست حالّة في الغواسق ، كالأعراض ، ليشترط فيها ، في ثبوتها ووجودها ، مقابلة كاشتراط مقابلة الحسّ الباصر في حدوث صور المرايا ، أو استعداد محلّ ،
كاشتراط استعداد البدن في قبوله لآثار النّفس . وذلك لأنّ حلول الشّىء في الشّىء مشروط باستعداد المحلّ لقبوله ، وكذا يبقى ما يقابله تقابل التّضادّ عنه . وإذا لم يكن وجود الأنوار مشروطا باستعداد محلّ ولا بوجود مقابله ولا بنفي مضادّ لها عنه ، فلا يبطل بعدم استعداد المحلّ والمقابلة ولا بوجود المضادّ ، هذا من جهة القابل . وأمّا من جهة الفاعل فقال :
وليس مبدأ المدبّرات ، أي : العقل المفارق : بمتغيّر ، ليلزم منه تغيّر الأنوار المدبّرة . وأمّا أنّ العقل المفارق ليس بمتغيّر ، فلاستلزام تغيّره تغيّر نور الأنوار
شرح حكمة الاشراق — صفحة 473
مساهمون: محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
ص٤٧٣