النهج السادس في البرهان والمغالطات
إشارة : القياس إن كان مؤلفا من المقدمات اليقينية كان برهانيا .
وإن كان مؤلفا من المشهورات والمسلمات ، كان جدليا . وإن كان من المظنونات والمقبولات كان خطابيا . وإن كان من المشبهات بالأوليات كان سوفسطائيا « 1 » . وإن كان من المشبهات بالمشهورات ، كان مشاغبيا .
هامش
( 1 ) السوفسطائيون هم جماعة من معلمي اليونان ، في القرن الخامس قبل الميلاد ، وكانوا يدرسون الفلسفة ويقومون سلوك الناس على الخير والبعد عن الشر ، بحسب ما يتراءى لهم عن الخير والشر ، وكانوا يقولون : ان الانسان قادر على أن يفعل الخير أو أن يفعل الشر ، والعرف ليس قدرا الهيا لازما ، بل هو من صنع الناس ، وهم قادرون على تغييره .
واشتهر منهم : بروتا غوراس - جورجياس - بروديكوس - هبياس . وكانوا يطوفون المدن والقرى لتعليم الخطب البليغة اللبقة المدعمة بالحجج المنطقية المقنعة ، ولتعليم الحرف الصناعية المحترمة .
والمعرفة - عندهم - تنشأ من المشاهدات بالحسن . ولأنها تختلف من رائى إلى آخر قالوا : ليس من حقائق ثابتة . وشكوا في وجود « الاله » لهذا العالم المحسوس ، لأن « الاله » لا يشاهد ولا يدريك بالحواس .
ويرى السوفسطائيون أن الأخلاق ليست من الدين ، بل هي من صنع البشر وهم قادرون على سن قوانين أخلاقية تحقق لهم الأمن والسعادة .
ويرون أن الدين ليس من الآلهة بواسطة الأنبياء ، بل الدين بدعة من الناس ، لخوفهم من المجهول .
قال « بروتاجوراس » :
« ان الانسان هو معيار الأشياء . معيار حقيقة ما يوجد منها ، ومعيار زيف ما لا يوجد . أما بالنسبة للآلهة فليس بوسعى أن أعرف ان كانوا موجودين أم غير موجودين . فدون ذلك عقبات جمة هو غموض الموضوع وقصر الحياة » . وقال « هيباس » :
« ان العرف طاغية مفروض حكمه على البشر ، وغالبا ما يضطرنا لصنع أشياء كثيرة ضد طبيعتنا » .
وقال « أرخيلاوس » :
« ان كل الخصائص الأخلاقية انما تنبع من العرف ، وليس من الطبيعة » .
وقال أيضا :
« ان الطبيعة في جانب الأقوى ، وأن القوة هي الحق ، وأن الرجل القوى سيحطم قيود العرف ويجعل من نفسه سيدا يسيطر على الضعفاء » .
( م 6 - لباب الإشارات )