وأما الكائن بحسب المعنى فهو على وجوه :
أحدها : وهم العكس . مثل : إنه إذا كان كل ثلج أبيض ، يتوهم أن كل أبيض ثلج .
وثانيها : أخذ لازم الشئ مكان الشئ . مثل إن الإنسان يلزمه أنه متوهم وأنه مكلف . فيظن أن كل متوهم مكلف .
وثالثها : أخذ ما بالعرض ، مكان ما بالذات . مثل الحكم على السقمونيا بأنه مبرد ، لأنه أشبه ما هو مبرد ، من بعض الوجوه .
وأما المخيلات : فهي قضايا ، يقال قولا ، فيؤثر في النفس تأثيرا عجيبا ، من بسط وقبض . وربما زاد على تأثير الصدق ، وربما لم يكن همه تصديق .
كما إذا شبهنا العسل بالمرة المهوعة ، استقذره الطبع . وأكثر أفعال الناس مبنية على هذه المخيلات لا على الفكر .
واعلم : أن المصدقات من الأوليات ، ونحوها . والمشهورات : قد تفعل فعل المخيلات من بسط النفس وقبضها ، لكنها تكون أولية ومشهورة باعتبار ، ومخيلة باعتبار . وليس يجب في جميع المخيلات أن تكون كاذبة ، كما لا يجب في المشهورات أن تكون كاذبة . وبالجملة : القول المخيل المحرك يتعلق تأثيره بكونه متعجبا منه ، إما لجودة هيئته أو قوة صدقة ، أو قوة شهرته ، أو حسن محاكاته .
لباب الاشارات والتنبيهات — صفحة 59
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٥٩