بقي ههنا بحثان : أحدهما ؛ أنّ الشّيخ لما ذا صرّح في حرارة النّار وبرودة الماء بأنّهما حصلا بطبعهما ، حيث قال : « البالغ في الحرارة بطبعه هو النّار ، والبالغ في البرودة بطبعه هو الماء » ، ولم يصرّح بذلك في ميعان الهواء وجمود الأرض . والثّانى ؛ أنّه « 1 » لم بدأ في الذّكر بالحرارة « 2 » ، وثنّى بالبرودة ، وثلّث بالرّطوبة ، وربّع باليبوسة ؟
فنقول : أمّا الأوّل ؛ فذلك لأنّه لم يشتبه على أحد أنّ الرّطوبة واليبوسة مغايرتان للطّبيعة النّوعيّة الّتى لهذه « 3 » العناصر الأربعة . ولكن أكثر المتقدّمين ذهبوا إلى أنّ طبيعة النّار هي الحرارة ، وطبيعة الماء « 4 » البرودة . ولأنّ اشتباه الكيفيّات الفعّالة بالطّبيعة الفعّالة أكثر من « 5 » اشتباه الكيفيّات المنفعلة بها .
فلمّا وقع هذا الاشتباه في الكيفيّتين « 6 » الفاعلتين « 7 » ، ولم يقع في الكيفيّتين المنفعلتين ، لا جرم أنّه لمّا ذكر الكيفيّتين الفاعلتين ذكر أنّهما تصدران عن طبع الشّىء تنبيها على كونهما مغايرتين لطبيعته « 8 » ليستغنى عن ذكر « 9 » ذلك . ونبّه أيضا على الحجّة الّتى عليها التّعويل « 10 » في أنّ حرارة النّار ليست هي نفس الصّورة . وهي : أنّ الحرارة قابلة للأشدّ والأضعف ، وما كان كذلك لا يكون صورة . فنبّه على صغرى هذا القياس بقوله : « البالغ في الحرارة » ، لأنّه إنّما يصدق أنّ هذا الشّىء بالغ في الحرارة إذا « 11 » كانت الحرارة قابلة للأشدّ والأضعف . وأمّا في الكيفيّتين « 12 » المنفعلتين لمّا لم يقع هذا الاشتباه لا جرم استغنى عن التّصريح بكونهما صادرتين عن الطّبيعة .
وأمّا الثّانى ؛ فلأنّ الكيفيّة الفاعلة أشرف من المنفعلة ، والحرارة أشرف من البرودة لكونها مناسبة للحياة وكون البرودة منافية لها ، فبدأ بالحرارة ثمّ « 13 » ثنّى بالبرودة « 14 » . وإنّما « 15 » قدّم الرّطوبة على اليبوسة لأنّ الرّطوبة غذاء « 16 » الحرارة وحافظة لها ، فكانت أشرف من اليبوسة .
وأمّا قوله : « والهواء بالقياس إلى الماء حارّ لطيف ، يشبه به الماء إذا سخن ولطف » ؛ فاعلم أنّ لكلّ واحد من العناصر الأربعة كيفيّتين ، وكلّ واحد منها « 17 » فإنّ إحدى كيفيّتيه قويّة والأخرى
هامش
( 1 ) - أنّه : - مج .
( 2 ) - في الذّكر بالحرارة : بذكر الحرارة مص .
( 3 ) - لهذه : هي مص .
( 4 ) - الماء : + هي مج .
( 5 ) - اشتباه . . . أكثر من : - م .
( 6 ) - الكيفيّتين : الكيفيّات مج . وصحّح على الهامش على : « الكيفيّتان » .
( 7 ) - الفاعليّتين : الفاعليّتين مص . : الفعّالتين مج .
( 8 ) - لطبيعته : للطّبيعتين مص . : للطّبيعة النوعيّة مج .
( 9 ) - ليستغنى عن ذكر : ليستغنى بذكر م . : استغنى عن ذكر مص .
( 10 ) - عليها التّعويل : عوّل عليها مص .
( 11 ) - إذا : وإذا م .
( 12 ) - الكيفيّتين : + وم .
( 13 ) - ثمّ : ومص .
( 14 ) - ثم ثنّى بالبرودة : - مص .
( 15 ) - وإنّما : ثمّ مص .
( 16 ) - غذاء : عند مص .
( 17 ) - منها : + أي من العناصر مج .