Skip to main content

الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين ) — Page 138

Contributors:

P.138
واحدا لا يقدر على التميز بين العارض والمعروض ولا بين الأجزاء المتحدة في الوضع وإنما المانع من التعقل نحو الوجود الحسي والخيالي والمادي وكذا المانع من التخيل والإحساس نحو الوجود المادي فمدار التعقل والإدراك للأمور الخارجية على تبدل نحو الوجود الأدنى بالوجود الأشرف فالموجود إذا كان ماديا محضا لا يمكن إدراكه أصلا لا لتركيبه واختلاطه بالأمور الغريبة العارضة بل لكونه ذا وضع مكان وذا جهة من الجهات المادية فلا حضور لذاته ولا قيام له عند موجود كما مر سابقا من البرهان على أن المادي الخارجي سواء كان جوهرا أو عرضا لا يمكن إدراكه أصلا فأول درجات الإدراك هو الإحساس فإن الحس باصر يأخذ صورة المحسوس بشرط حضور المادة المناسبة لها والصورة التي يشاهدها الحس غير الصورة التي في المادة ولها نحو آخر من الوجود ألطف وأشرف وأقوى من التي في المادة وهي عندنا غير قائمة بالجسمانية من عين أو جليدية بل قائمة بالنفس قيام الفعل بالفاعل مائلة بين يديها يشاهدها بنفسها لا بصورة أخرى لأن وجودها وجود نوري إدراكي ثم بعدها درجة الإدراك الخيالي والخيال عندنا جوهر مجرد عن البدن وعن هذا العالم كله ولكن ليس مجردا عقليا بل هو موجود في عالم إدراكي جزئي ونشأة جوهرية قائمة لا في مادة ولا في مظهر آخر كما ظن القائلون بعالم المثال لأن ذلك العالم عالم مستقل عيني وجوده العيني عين الشعور والإدراك والصور الخيالية غير محتاجة في وجودها وبقائها إلى حضور مادة جسمانية ولا هي موجودة في آلة دماغية وإنما هي كالمرآة مخصصة معدة للنفس على تصوير تلك الصور في عالمها الخاص الإدراكي ثم درجة الإدراك العقلي والوجود الظلي وهو فوق النشأتين وغاية العالمين ومدركه من الإنسان هو العقل النظري البالغ إلى رتبة العقول الفعالة بعد خروجه من القوة إلى الفعل وصيرورته إنسانا عقليا بعد كونه إنسانا حيوانيا بشيريا فدرجات الإنسان على حسب درجات إدراكاته ومدركاته ثلاث كما أن العالم ثلاثة فالإنسان الحسي مدرك المحسوسات والإنسان النفساني أعني الخيالي يدرك المثاليات والصور الغائبة عن هذه الحواس بحواس باطنة نسبتها إلى هذه الحواس كنسبة النفس إلى البدن واللب إلى القشر والإنسان العقلي يدرك صور المفارقات العقليات بل هذه الدرجات ثابتة لجميع الأنواع الطبيعية فما من نوع من هذه الأنواع إلا وله صورة طبيعية وفوقها صورة مثالية وفوقها صورة عقلية أفلاطونية وأما الوهم فهو ليس إلا إضافة العقل إلى الطبيعة ومدركاتها هي بعينها مدركات العقل مضافة إلى الطبائع الشخصية وليس له درجة مستقلة في الوجود ولا لمدركاته عالم آخر وهذه أمور ذكرناها هاهنا على سبيل الحكاية مجردة عن البرهان إذ ليس هاهنا موضع بيانها والغرض هاهنا أن ليس كل إدراك كما هو المشهور بتجريد الذات المدركة عن الزوائد فإن حكم الزوائد كحكم أصل الذوات في إمكان تعلق الإدراك الحسي والخيال والعقلي إليها بل كل إدراك إنما هو بنحو من الوجود أشرف وأنور من هذا الوجود المشوب بالأعدام والظلمات الهيولانية وارجع إلى ما كنا بصدده قوله وهذا الذي قلناه إنما هو إلى آخره معناه أن الذي ذكرنا من أن الحاصل في العقول البشرية إنما هي معاني ماهيات الجواهر العينية التي هي أعراض قائمة بنفوسنا لا ذواتها الخارجية إنما هو نقض حجة من استدل بها على أن الموجود لنا من الجواهر ذواتها لأن العلم بالجوهر يجب أن يكون جوهرا كما أن العلم بالعرض عرض فما ذكرناه منع لمقدمات حجته مستندا بأن الحاصل فينا معاني وماهياتها ولا يلزم من ذلك إثبات ما يذهب إليه الخصم والاعتراف به من أن للجواهر الخارجية وجودا عقليا كليا في الخارج حيث يتوهم أنه إذا كان الموجود لقولنا هي الماهيات العقلية من الجواهر والماهية العقلية للجوهر لا يكون وجودها إلا وجودا عقليا لا في موضوع فيكون للطبائع الجوهرية وجودا قائما بذاته فيكون مجردة عن المواد وإنما لا يلزم لما عرفت أن حكم الماهية الموجودة في الذهن غير حكمها في الخارج هذا إذا كان قوله يذهب على صيغة الغائب كما في أكثر النسخ وأما إذا كان على صيغة المتكلم فالمعنى أن الذي ذكرناه هو نقض ما ذكره المحتج على أن المدرك من الجواهر الخارجية هو ذواتها العينية ولم يعلم منه أن وجودها الخارجي على أي حال وكيفية هل يمكن أن يكون لها وجود عقلي قابل لأن يناله المدرك العاقل من غير توسط صورة أخرى ذهنية عرضية هي الأثر الحاصل منه في العاقل أم لا لأن ذلك يتوقف على إبطال القول بالمثل والتعليميات كما هو مذهب أفلاطن القول بأن العاقل حين إدراكه للجواهر العقلية يتحد بها كما هو مذهب فرفوريوس قوله فنقول إن المعقولات سنبين من أمرها بعد أن ما كان من الصور الطبيعية والتعليميات فليس يجوز أن يقوم مفارقا بذاته بل يجب أن يكون في نفس أو عقل وما كان من أشياء مفارقة فنفس وجود تلك المفارقات مباينة لنا ليس هو علمنا بها بل يجب أن نتأثر منها فيكون ما نتأثر عنها هو علمنا بها وكذلك لو كانت صور مفارقة وتعليميات مفارقة فإنما يكون علمنا بها يحصل لنا منها ولا يكون أنفسها يوجد لنا منتقلة إلينا وفي بعض النسخ منقلبة بدل منتقلة فقد بينا بطلان هذا في موضع بل الموجود منها لنا هي الآثار المحاكية لنا لا محالة وهي علمنا معنى ألفاظه واضح لا سترة فيه ولنا في جميع ما ذكره مواضع بحث عميق وتحقيق أنيق كما أشرنا إليه يحتاج بيانه إلى موضع أبسط من هذا
الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين ) — Page 138 | صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )