Skip to main content

الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين ) — Page 130

Contributors:

P.130
الوجود منفعلة كائنة فاسدة بل مجردة عنها قائمة بمبدعها وجاعلها وأن النفس بالقياس إلى مدركاتها الحسية والخيالية أشبه بالفاعل المخترع منها بالمحل القابل وبه يندفع كثير من الإشكالات الواردة على إثبات الوجود الذهني للأشياء التي مبناها على كون النفس محلا لها وأن القائم بشيء لا بد أن يحل فيه ولنا براهين كثيرة على ثبوت ما ادعيناه مذكورة في موضعها فإذا ثبت أن قيام تلك الصور الإدراكية ليس بالحلول بل على وجه آخر لم يلزم الإشكال ولا محذور ولا حاجة أيضا إلى القول بأن الحاصل في النفس غير القائم بها هذا ما قررنا في حال المدركات الحسية ظاهرية كانت أو باطنية إذا تقرر هذا فنقول أما حال إدراك النفس للصور العقلية من الأنواع المحصلة فهو بمجرد إضافة إشراقية حاصلة لها إلى ذوات وصور عقلية واقعة في عالم الإبداع وتلك الذوات العقلية سواء كانت قائمة بأنفسها كما هو رأي أفلاطن ومن تقدمه أو واقعة في صقع الربوبية كما عليه أصحاب المعلم الأول للفلاسفة وإن كانت صورا شخصية تشخصا عقليا كليا غير محمولة على هذه الجزئيات والأصنام المندرجة تحتها لكن النفس لضعف بصرها العقلي وقصورها وكلالها عن المشاهد القوية ما دامت في هذا العالم لا يتيسر لها معاينة تلك الذوات على وجه التعين بل على سبيل الإبهام فإن الإبهام والعموم منشؤه قصور وجود الشيء إما بحسب وجوده لنفسه أو بحسب وجوده لمدركه فإن ضعف الإدراك قد يكون منشأ الاشتراك كما يرى شخص من بعيد أو في هواء مغبر يحتمل عند الرائي أن يكون زيدا أو عمرا أو بكرا وكذا قد يحتمل في البعيد أن يكون واحدا أو متعددا واعلم أن حقيقة العلم مرجعها إلى نحو من الوجود به ينكشف الأشياء وليس العلم منحصرا في الكيفية النفسانية بل قد يكون جوهرا قائما بنفسه بل يكون واجب الوجود كما في علمه تعالى لكن الكلام في العلم الذي هو من صفات النفس كالقدرة والإرادة وهو حالة نفسانية به ينكشف المعلومات ولا شك أنه أمر حادث في أنفسنا عارض لها بعد ما لم يكن ومعلوم أنه غير قابل للقسمة ولا النسبة في ذاته فيكون كيفية نفسانية والعلم بهذا المعنى لا يلزم أن يكون متحدا مع المعلوم والذي يتحد بالمعلومات هو وجودها منكشفة على نفسها أو على غيرها إنما الكلام في نحو ارتباط المعلومات بالنفس هل بنحو الحلول فيها أو لا وقد علمت أنها ليست حالة فيها فلم يلزم كون شيء واحد جوهرا وعرضا الإشكال الثاني أنه إذا كان علمنا بالأشياء الخارجية مستلزما لحصول ماهيتها وصورتها المطابقة لها يلزم أن يكون لكل نوع من هذه الأنواع الجسمانية فردا شخصيا مجردا عن المادة ولواحقها من المقدار والأين والوضع وأشباهها يكون ذلك الفرد المشخص كليا ونوعا بيان ذلك أن كل نوع جسماني تعقلناه فعلى ما قررتم يوجد ماهيته وحقيقة معناه في الذهن فلا يخلو إما أن يوجد ماهيته فيه من غير أن يتشخص بل يبقى على صرافة إبهامه وعمومه أو يتشخص والأول محال إذ الوجود لا ينفك عن التشخص ووجود المبهم مبهما غير معقول والثاني يستلزم أن يوجد في ذهننا من الإنسان مثلا شخص إنساني عقلي مجردا عن الكم والوضع والأين وسائر الصفات الجسمانية إذ لو قارنته لم يجز أن يحصل في العقل على ما ثبت من امتناع حصول الجسماني في المجرد العقلي وكذا حصل من الفرس فرس عقلي ومن الشجر شجر عقلي ومن الحجر حجر عقلي والتالي باطل فكذا المقدم والجواب عنه في المشهور أن الموجود في الذهن وإن كان أمرا شخصيا إلا أنه عرض وكيفية قائمة بالذهن وليس فردا من حقيقة ذلك المعلوم المأخوذ منه جوهرا كان أو غيره نعم هو عين مفهوم ذلك الشيء الموجود في الخارج وقد علمت ما ذكرناه في دفع الإشكال أن المأخوذ من الجواهر النوعية الخارجية وغيرها هو معانيها ومفهوماتها دون ذواتها وأشخاصها ثم ليس من شرط حصول معنى في موجود وتضمنه إياه أن يكون ذلك المعنى صادقا عليه ولا أن يكون ذلك الموجود فردا ومصداقا لذلك المعنى فإن الإنسان مثلا متضمن لمعاني الجماد والنبات لحفظه التركيب والنمو والتوليد مع أنه ليس جمادا ولا نباتا وأما كلية الموجود الذهني وصدقه على كثيرين فباعتبار ملاحظته مطلقا عن الخصوصيات الذهنية والخارجية ولا حجر في كون شيء واحد كليا باعتبار وشخصيا باعتبار آخر سيما بالقياس إلى الوجود الخارجي والعقلي فإن ألح ملح وارتكب مرتكب أن الإنسانية التي في الذهن مثلا يشارك الإنسان في الحقيقة النوعية والجوهرية وقبوله الأبعاد والنمو والحس والنطق مع كونها حالة في الذهن ومحلها مستغن عنه فقد وقع فيما لا مهرب عنه و